الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يتحمّلون الشدائد والأذى، والجوع والعطش، إِظهاراً للدين المتين. وكيف هانت عليهم نفوسهم في الله لإِعلاء كلمته.
[باب تحمل الشدائد في الله قول المقداد في الحال التي بعث عليها النبي عليه السلام]
أخرج أبو نعيم في الحلية عن جبير بن نُفَير،
عن أبيه قال:
جلسنا إلى المقداد بن الأسود رضي الله عنه يوماً، فمرَّ به رجل،
فقال:
طُوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لودِدنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فاستمعت، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيراً. ثم أقبل عليه،
فقال:
ما يحمل أحدَكم على أن يتمنى محضراً غيّبه الله عزّ وجلّ عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله، لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام - كبَّهم الله عزّ وجلّ على مناخرهم في جهنم - لم يجيبوه ولم يصدِّقوه ولا تحمدون الله إذ أخرجكم الله عزّ وجلّ لا تعرفون إِلا ربَّكم مصدِّقين بما جاء به نبيكم عليه السلام وقد كُفيتم البلاءَ بغيركم؟ والله، لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشدّ حال بعث عليه نبي من الأنبياءِ، في فترة وجاهليْة، ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفُرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرّق بين الوالد وولده، حتى إنّ الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإِيمان، فيعلم أنّه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار،
وإِنّها للتي قال الله عزّ وجلّ:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا
وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}
(الفرقان: ٧٤)
. وأخرجه الطبراني أيضاً بمعناه بأسانيد في أحدها يحيى بن صالح وثَّقه الذهبي، وقد تكلَّموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع.
[قول حذيفة في هذا الباب]
وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن كعب القُرَظي قال:
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟
قال:
نعم يا ابن أخي.
قال:
فكيف كنتم تصنعون؟
قال:
والله لقد كنا نجتهد.
قال:
والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال؛
فقال حذيفة:
يا ابن أخي - والله - لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق - فذكر الحديث في تحمُّلهم شدّة الخوف وشدة الجع والبرد.
وعند مسلم:
فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ - فذكره.
وعند الحاكم والبيهقي:
فقال حذيفة: لا تمنَّوا ذلك - فذكره كما سيأتي في تحمُّل
الخوف.
تحمل النبي صلى الله عليه وسلم الشدائد والأذى في الدعوة إلى الله قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب