الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج الحاكم أيضاً عن معاوية بن قُرَّة رضي الله عنه قال:
لما كان يوم القادسية بُعث بالمغيرة بن شعبة رضي الله عنه إلى صاحب فارس.
فقال:
إبعثوا معي عشرة. فبعثوا فشدَّ عليه ثيابه ثم أخذ حَجَفة ثم انطلق حتى أتَوه،
فقال:
ألقوا لي ترساً فجلس عليه،
فقال العِلْج:
إنكم - معاشر العرب - قد
عرفت الذي حملكم على المجيء إلينا، أنتم قوم لا تجدون في بلادكم من الطعام ما تشبعون منه، فخذوا نعطيكم من الطعام حاجتكم، فإنَّا قوم مجوس وإِنَّا نكره قتلكم، إنكم تنجِّسون علينا أرضنا.
فقال المغيرة:
والله ما ذاك جاء بنا، ولكنّا كنا قوماً نعبد الحجارة والأوثان، فإذا رأينا حجراً أحسن من حجر ألقيناه وأخذنا غيره، ولا نعرف ربّاً حتى بعث الله إلينا رسولاً من أنفسنا فدعانا إلى الإِسلام، فاتَّبعناه ولم نجيء للطعام، إنَّا أُمرنا بقتال عدوّنا ممَّن ترك الإِسلام، ولم نجيء للطعام لكنا جئنا لنقتل مقاتلتكم ونسبي ذراريكم. وأما ما ذكرت من الطعام فإنا لعمري ما نجد من الطعام ما نشبع منه، وربما لم نجد ريّاً من الماء أحياناً، فجئنا إلى أرضكم هذه فوجدنا فيها طعاماً كثيراً وماءً كثيراً، فوالله لا نبرحها حتى تكون لنا أو لكم؛
فقال العِلْج بالفارسية:
صدق. قال وأنت تُفقأ عينك غداً ففقئت عينه من الغد، أصابته نُشَّابة - غريب.
قال الحاكم:
صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه،
وقال الذهبي:
صحيح، وأخرجه الطبراني عن معاوية رضي الله عنه مثله.
قال الهيثمي:
ورجاله رجال الصحيح.
وذكر في البداية عن سَيْف أنَّ سعداً رضي الله عنه كان قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتُهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنِّعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطِها الأرض بأرجلها؛ وجعلوا يتعجَّبون منها غاية العجب؛ كيف مثل هؤلاء يقهَرون جيوشهم مع كثرة عَدَدها وعُدَدها. ولما استأذنوا على الملك يَزْدَجِرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه - وكان مكبِّرا قليل الأدب - ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها، عن الأردية والنِّعال والسِّياط. ثم كلَّما قالوا له شيئاً من ذلك تفاءل،
فرد الله فأله عى رأسه.
ثم قال لهم:
ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟
أظننتم أنّا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا فقال له النعمان بن مقرن رضي الله عنه:
إِن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرِّفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة.
فلم يَدْعُ إلى ذلك قبيلة إلا وصاروا فرقتين:
فرقة تقاربه، وفرقة تباعده؛ ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث. ثم أُمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم،
ففعل فدخلوا معه جميعاً على وجهين:
مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد؛ فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإِنصاف، فنحن ندعوكم إِلى ديننا، وهو دين الإِسلام، حسَّن الحَسَن وقبَّح القبيح كله. فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة. وإِن أجبتم إِلى ديننا، خلَّفنا فيكم كتاب الله، وأَقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجِزَى قبلنا ومنعناكم، وإِلا قاتلناكم.
قال:
فتكلم يزدجرد،
فقال:
إنِّي لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بَيْن منكم؛ وقد كنَّا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرَّنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم؛ فرضنا لكم قوتاً إلى خِصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فأسكت القوم،
فقام المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال:
أيها الملك؛ إنَّ هؤلاء رؤوس
العرب ووجوههم، وهم أشرافٌ يستحيُون من الأشراف، وإنما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظِّم حقوق الأشرافِ الأشرافُ، وليس كل ما أُرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلَّمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني، فأكون أنا الذي أبلِّغك ويشهدون على ذلك. إنَّك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً. فأمَّا ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع. كنا نأكل الخنافس والجِعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا. وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإِبل وأشعار الغنم؛ ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإِنْ كان أحدنا ليدفن إبنته وهي حيّة كراهية أن تأكل من طعامه. وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك. فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدَقَنا وأحلَمنا. فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من تِرْبٍ كان له وكان الخليفة من بعده. فقال وقلنا، وصدَّق وكذَّبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له وأتباعه؛ فصار فيما بيننا وبين رب العالمين. فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله.
فقال لنا إنَّ ربَّكم يقول:
أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت
إذ لم يكن شيء وكلُّ شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كلَّ شيء، وإِليَّ يصير كلُّ شيء، وإنَّ رحمتي أدركتكم. فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلَّكم على السبيل التي أُنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام. فنشهد عليه أنَّه جاء بالحق من عند الحق.
وقال:
من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبَى فأعرضوا عليه الجِزْية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه؛ فأنا الحكم بينكم، فمن قَتل منكم أدخلته جنتي، من بقي منكم أعقبته النصر
على من ناوأه؛ فاختر إن شئت الجِزْية وأنت صاغر، وإِن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.
فقال يزدجرد:
أتستقبلني بمثل هذا؟
فقال:
ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كملني غيرك لم أستقبلك به.
فقال:
لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي،
وقال:
إئتوني بوِقْر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنِّي مرسل إِليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينِّكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ مما نالكم من سابور.
ثم قال:
ن أشرفكم؟ فسكت القوم،
فقال:
عاصم بن عمرو رضي الله عنه: وافتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحمِّلْنيه.
فقال:
أكذلك؟
قالوا:
نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الإِيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير ليأتوا به سعداً وسبقهم عاصم فمرَّ بباب قُدَيْس فطواه،
وقال:
بشِّروا الأمر بالظَّفَر، ظفرنا إن شاء الله تعالى. ثم مضى حتى جعل التراب في الحَجَر، ثم رجع فدخل على سعد رضي الله عنه فأخبره الخبر.
فقال:
أبشروا فقد - والله - أعطانا الله أقاليد مُلْكِهم؛ وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. انتهى. وأخرجه ابن جرير، الطبري عن شيب عن سيف عن عمرو عن الشَّعْبي بمثله.
دعوة عبد الله بن المُعْتَم لبني تغلب وغيرهم يوم تكريت
وأخرج ابن جرير أيضاً من طريق سَيْف عن محمد، وطلحة وغيرهما
قالوا:
لمَّا رأت الروم - أي يوم وقعة تكريت - أنهم لا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم ويُهزَمون في كل ما زاحفوهم؛ تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنَّمِر إلى عبد الله بن المُعْتَم بالخبر، وسألوه للعرب السِلم، وأخبروه قد استجابوا له، فأرسل إليهم إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله، ثم أعلمونا رأيكم، فرجعوا إليهم بذلك، فردوهم إليه بالإِسلام. فذكر القصة.
[دعوة عمرو بن العاص في وقعة مصر]
وأخرج ابن جرير من طريق سيف عن أبي عثمان عن خالد وعبادةَ رضي الله عنهما،
قالا:
خرج عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة، حتى انتهى إلى باب ألْيُون وأتبعه الزبير فاجتمعا رضي الله عنهما، فلقيهم هنالك أبو مريم - جاثِليق مصر - ومعه الأسقُف في أهل النيّات، بعثه المَقوقِس لمنع بلادهم. فلمّا نزل بهم عمرو رضي الله عنه قاتلوه،
فأرسل إليهم:
لا تعجلون لنعذِر إليكم وتَرْون رأيكم بعد؛
فكَفُّوا أصحابهم لأرسل إليهم عمرو:
إنِّي بارز فليبرز إليّ أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك، وامن بعضهم بعضاً.
فقال لهما عمرو:
أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا: إنَّ الله عزّ وجلّ بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأمره به، وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم وأدّى إلينا كل الذي أُمر به. ثم مضى - صلوات الله عليه ورحمته - وقد قضى الذي عليه وتركنا على الواضحة. وكان مما أمرنا به الإِعذارُ إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإِسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له
المَنعَة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظاً لرَحِمنا فيكم، لأإن لكم إِن أجبتمونا بذلك ذِمةً إلى ذمة.
ومما عهد إلينا أميرنا:
إستوصوا بالقبطيين خيراً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصنا بالقطيين خيراً، لأن لهم رَحِماً وذمة.
فقالوا:
قرابة بعيدة لا يَصِلُ مثلَها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت إبنةَ ملكنا وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم؛ فأُديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا؛ فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام، مرحباً به وأهلاً، آمِنَّا حتى نرجع إليك.
فقال عمرو:
إنَّ مثلي لا يُخدع ولكني أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا ولتُناظِرا قومكما، وإلا ناجزتكم.
قالا:
زِدْنا. فزادهم يوماً.
فقالا:
زِدْنا فزادهم يوماً. فرجعا إلى المقوقِس فهمَّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم،
فقالا
لأهل مصر:
أمَّ نحن فسنجهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليه، وقد بقيت أربعة أيام فلا تصابون فيها بشيء إلا رجَونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عَمْراً والزبير إلا البياتُ من فَرقَبْ، وعمرو على عُدَّة، فلقوه فقتل ومن معه ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو، والزبير رضي الله عنهما لعين شمس.
وأخرج الطبري أيضاً عن أبي حارثة،
وأبي عثمان قالا:
لمَّا نزل عمرو رضي الله عنه على القوم بعين شمس قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فَلُّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم؟ صالحِ القوم واعتقد منهم، ولا تعرض لهم ولا تعرِّضنا لهم، وذلك في اليوم الرابع، فأبى وناهدوهم، فقاتلوهم وارتقى الزبير سورها، فلما أحسُّوه فتحوا الباب لعمرو رضي الله عنه وخرجوا إليه مصالحين. فقبل منهم ونزل عليهم الزبير رضي الله عنه عَنْوة.
دعوة الصحابة في إمارة سَلَمة بن قيس الأشجعي في القتال
وأخرج الطبري أيضاً عن سليمان بن بُرَيدة أن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - كان إذ اجتمع إليه جيش من أهل الإِيمان أمَّر عليهم رجلاً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سَلَمة بن قيس الأشجعي رضي الله عنه، فقال سِرْ باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله. فإذا لقيتم عدوَّكم،
من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال:
أدعوهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم. فإن أبَو فادعوهم إلى الخراج، فإن أقرّوا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرِّغوهم لخراجهم ولا تكلفوهم فوق طاقتهم. فإن أبَوا فقاتلوهم فإنَّ الله ناصرُكم عليهم، فإن تحصَّنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإِن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله
(فلا تعطوهم ذمّة الله وذمة رسوله)
وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً.
قال سلمة:
فسرنا حتى لقينا عدوَّنا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين، فأبَوا أن يسلموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبَوا أن يقرّوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرِّثَّة - فذكر الحديث بطوله جداً.
[دعوة أبي موسى الأشعري لأهل أصبهان قبل القتال]
وأخرج ابن سعد عن بشير بن أبي أمية عن أبيه أن الأشعري نزل بأصبهان فعرض عليهم الإِسلام فأبَوا؛ فعرض عليهم الجزية، فصالحوه على ذلك فباتوا على صلح، حتى إذا أصبحوا أصبحوا على غدر، فبادرهم القتال فلم يكن أسرع من أن أظهره الله عليهم.
قصص الصحابة في الأعمال والأخلاق المفضية إلى هداية الناس قصة إسلام عمرو بن الجموح وما فعل إبنه ومعاذ بن جبل لإِسلامه
أخرج أبو نعيم في الدلائل
(ص ١٠٩)
عن ابن إسحاق قال: لمّا قدم الأنصار المدينة بعدما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر الإِسلام بها، وفي قومهم بقايا عل دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجَموح، وكان إبنه معاذ قد شهد العَقَبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وكان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سَلِمة وشريفاً من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنماً من خشب يقال له
«مَنَاة»
كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلهاً ويطهِّره. فلما أسلم فتيان بني سَلِمة؛ معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح، في فتيان منهم ممّن أسلم وشهد العقبة - كانوا يُدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفَر بني سَلِمة وفيها عِذَرُ الناس منكَّساً على رأسه.
فإذا أصبح عمرو قال:
ويلكم من عَدَا على إلهنا في هذه الليلة؟
قال:
ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهَّره وطيَّبه،
ثم قال:
وايْمُ لله، لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيَّنه. فإذا أمسى عمرو ونام عَدَوا عليه ففعلوا به مثل ذلك.
فلما أكثروا عليه إستخرجه من حيث ألقَوه يوماً، فغسله وطهَّره وطيَّبه، ثم
جاء بسيفه فعلَّقه عليه ثم قال:
إنِّي والله ما أعلم من يفعل بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عدَوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه معه بحبل، ثم ألقَوه في بئر من أبيار بني سَلِمة فيها عَذِرَة من عِذَر الناس. وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده مكانه الذي كان فيه، فخرج في طلبه حتى وجده في تلك البئر منكَّساً مقروناً بكلب ميت.
فلما رآه وأبصر شأنه وكلَّمه مَنْ أسلم من قومه، أسلم - يرحمه الله - وحسن إسلامه.
وزاد منجاب عن زياد في حديثه عن ابن إسحاق قال:
وحدثني إِسحاق بن يَسَار عن رجل من بني سَلِمة قال: لما أسلم فتيان بني سَلِمة أسلمت إمرأة عمرو بن الجموح وولده،
قال لامرأته:
لا تدَعي أحداً من عيالك في أهلك حتى ننظر ما يصنع هؤلاء،
قالت:
أفعل، ولكن هل لك أن تسمع من إبنك فلان ما روى عنه؟
قال:
فلعله صبأ.
قالت:
لا،
ولكن كان مع القوم فأرسل إليه فقال:
أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل فقرأ عليه:
«الحمد لله رب العالمين - إلى قوله تعالى - الصراط المستقيم»
.
فقال:
ما أحسن هذا وأجمله، كل كلامه مثل هذا؟
فقال:
يا أبتاه، وأحسن من هذا.
قال:
فهل لك أن تبايعه؟
قد صنع ذلك عامة قومك قال:
لست فعلاً حتى أوامر مَنَاة، فأنظر ما يقول.
قال:
وكانوا إِذا أرادوا كلام مَنَاة جاءت عجوز فقامت خلفه فأجابت عنه.
قال:
فأتاه وغُيِّبت العجوز وأقام عنده فتشكَّر له.
وقال:
يا مناة، تشعر أنه قد سئل بك وأنت غافل جاء رجل ينهانا عن عبادتك ويأمرنا بتعطيلك، فكرهت أن أبايعه حتى أوامرك. وخاطبه طويلاً فلم يردّ عليه.
فقال:
أظنك قد غضبت ولم أصنع بعد شيئاً، فقام إليه فكسره.
وزاد إبراهيم بن سلمة في حديثه عن ابن إسحاق:
قال عمرو بن الجموح حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه وما أبصر من أمره،
ويتشكَّر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
أتوبُ إِلى الله ممَّا مضى
وأستنقذ الله من ناره
وأُثني عليه بنعمائه
إلهِ الحرام وأستاره
فسبحانه عدد الخاطئين
وقطر السماء ومدراره
هداني وقد كنت في ظلمة
حليفَ مَنَاة وأحجاره
وأنقذني بعد شيب القَذَالمن شين ذاك ومن عاره
فقد كدت أهلِك في ظلمة
تدارك ذاك بمقداره
فحمداً وشكراً له ما بقيت
إله الأنام وجبَّاره
أريد بذلك إذ قلته
مجاورة الله في داره
وقال أيضاً يذم صنمه:
تالله لو كنت إلهاً لم تكن
أنت وكَلْبٌ وسْطَ بئر في قَرَن
أفَ لملقاك إلهاً مُستدن
الآن فتَّشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العليّ ذي المنن
الواهب الرزّاق ديّان الدِّيَن
هو الذي أنقذني من قبل أن
أكون في ظلمة قبر مرتهن
قصة إسلام أبي الدرداء وما فعله ابن رواحة لإِسلامه