الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج الطبراني عن رِبْعي بن حِرَاش قال استأذن عبد الله ابن عباس على معاوية رضي الله عنهم وقد عَلِقت عنده بطون قريش وسعيد ابن العاص جالس عن يمينه،
فلما رآه معاوية مقبلاً قال:
يا سعيد، والله لأُلقِيَنَّ على ابن عباس مسائل يعيَى بجوابها،
فقال له سعيد:
ليس مثل ابن عباس يعيى بمسائلك،
فلما جلس قال له معاوية:
ما تقول في أَبي بكر؟
قال:
(رحم الله أبا بكر، كان - والله للقرآن تالياً، وعن المَيْل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً. وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً وإِليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، ولله في الغدو والرواح ذاكراً، ولنفسه بالمصالح قاهراً. فاق أَصحابه ورعاً وكفافاً وزهداً وعفافاً وبرّاً وحِياطة زهادة وكفاءة، فأعقبَ الله مَنْ ثَلَبه اللعائن إِلى يوم القيامة)
.
قال معاوية:
فما تقول في عمر بن الخطاب؟
قال:
(رحم الله أبا حفص، كان - والله - حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحلَّ الإيمان، ومعاذَ الضعفاء، ومعقلَ الحنفاء، للخَلْق حصناً، وللناس عوناً، قام بحق الله صابراً محتسباً حتى أَظهر الله الدين وفتح الديار، وذُكِر الله في الأقطار والمناهل وعلى التلال وفي
الضواحي والبقاع، وعند الخَنى وقوراً، وفي الشّدة والرخاء شكوراً، ولله في كل وقت وأَوان ذكوراً، فأَعقب الله من يبغضه اللعنة إِلى يوم الحسرة) .
قال معاوية رضي الله عنه:
فما تقول في عثمان بن عفان؟
قال:
(رحم الله أبا عمرو، كان - والله - أَكرم الحَفَدة، وأَوصلَ البررة، وأَصبرَ الغزاة، هجّاداً بالأَسحار. كثيرَ الدموع عند ذكر الله، دائمَ الفكر فيما يعنيه الليلَ والنهارَ، ناهضاً إِلى كل مكرمة، يسعى إلى كل منجية، فرّاراً من كل مُوبقة، وصاحب الجيش والبئر، وخَتَن المصطفى على ابنتيه، فأعقب الله من سبَّه الندامة إلى يوم القيامة)
.
قال معاوية:
فما تقول في علي بن أبي طالب؟
قال:
(رحم الله أَبا الحسن كان - والله - علمَ الهدى، وكهفَ التقى، ومحل الحجى، وطَوْدَ البهاء، ونور السُّرَى في ظلم الدُّجَى، داعياً إلى المَحَجَّة العظمى، عالماً بما في الصحف الأُولى، وقائماً بالتأويل والذكرى، متعلِّقاً بأسباب الهدى، وتاركاً للجَوْر والأَذى. وحائداً عن طرقات الرَّدَى، وخيرَ من آمن واتقى، وسيِّدَ من تقمَّص وارتدى، وأَفضلَ من حجَّ وسعى، وأسمحَ من عدل وسوَّى، وأَخطبَ أَهل الدنيا إِلا الأنبياء والنبي المصطفى، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحِّدٌ؟ وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تَرَ عيني مثله ولا ترى إِلى يوم القيامة واللقاء، من لعنه فعليه لعنةُ الله والعباد إِلى يوم القيامة)
.
قال:
فما تقول في طلحةَ والزبير؟
قال:
(رحمة الله عليهما، كانا - والله - عفيفَين، برّين، مسلمَين، طاهرَين، متطهِّرَين، شهيدَين، عالَمَين، زَلا زلَّة
والله غافرٌ لهما إِن شاء الله بالنُّصرة القديمة والصُّحبة القديمة والأفعال الجميلة) .
قال معاوية:
فما تقول في العبَّاس؟
قال:
(رحم الله أَبا الفضل كان - والله - صِنوَ أَبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرَّة عين صفيِّ الله، كهف الأقوام، وسيّد الأعمام، وقد عَلا بصراً بالأمور ونظراً بالعواقب. قد زانَه علمٌ، قد تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت الأسباب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دبَّ وهب عبدُ المطلب، أفخر من مشى من قريش وركب)
؟ ... فذكر الحديث.
قال الهيثمي:
رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم.
الباب الأول
باب الدعوة إلى الله وإلى رسوله
كيف كانت الدعوةُ إلى الله وإِلى رسوله صلى الله عليه وسلم أحَبَّ إلى النبي عليه السلام وإلى الصحابة رضي الله عنهم من كل شيء وكيف كانوا حريصين على أَن يهتديَ الناس ويدخلوا في دين الله وينْغَمسوا في رحمة الله وكيف كان سعيهم في ذلك لإيصال الخلق إِلى الحق.
باب الدعوة إلى الله وإلى رسوله حب الدعوة والشغف بها حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيمان جميع الناس
أخرج الطبرني عن ابن عباس في قوله تعالى:
{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ}
(هود: ١٠٥)
ونحو هذا من القرآن قال:
(إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أَن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأَخبره الله عزّ وجلّ أنّه لا يؤمن إِلا من سبق له من الله السعادةُ في الذِّكْر الأَول، ولا يضلُّ إِلا من سبق له من الله الشقاء في الذِّكْر الأَول، ثم قال الله عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم
{طسم تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السَّمَآء ءايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}
(الشعراء: ١ - ٤)
. قال الهيثمي رجاله وُثِّقوا إِلا أَنَّ عليَّ بن أَبي طلحة قيل لم يسمع من ابن عباس. انتهى.
عرضه صلى الله عليه وسلم الدعوة على قومه عند وفاة أبي طالب
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لمّا مرض أبو طالب دخل عليه رَهْط من قريش فيهم أَبو جهل فقالوا:
إِنَّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثتَ إِليه فنهيتَ. فبعث إِليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أَبي طالب قَدْرُ مجلسِ رجلٍ،
قال:
فخشي أبو جهل - لعنهُ الله - إِنْ جلس إِلى جنب أبي طالب أَنْ يكون أَرقَّ له عليه؛ فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجدْ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قربَ عمِّه فجلس عند الباب،
فقال له أبو طالب:
أيْ ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟
قال:
وأَكثروا عليه من القول.
وتكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
«يا عمّ إِنِّي أريدهم على كلمة واحدة يقولونها؛ تَدينُ لهم بها العرب وتُؤدِّي إِليهم بها العجمُ الجزيةَ»
ففزعوا لكلمته ولقوله،
فقال القوم:
كلمة واحدة نعمْ وأَبيكَ عشراً،
فقالوا:
وما هي؟
وقال أَبو طالب:
وأَيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال صلى الله عليه وسلم
«لا إِله إِلا الله»
،
فقاموا فَزِعين ينفِضُون ثيابهم وهم يقولون:
{أَجَعَلَ الاْلِهَةَ الهاً واحِداً إِنَّ هَاذَا لَشَىْء عُجَابٌ}
(ص: ٥)
،
قال:
ونزلت من هذا الموضع -
إِلى قوله:
{بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ}
(ص: ٨)
. وهكذا رواه الإِمام أحمد والنِّسائي وابن أَبي حاتم وابن جرير كلهم في تفاسيرهم،
ورواه الترمذي وقال:
حسن، كذا في التفسير لابن كثير؛
وأَخرجه البيهقي أَيضاً والحاكم بمعناه وقال:
حديث صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه،
وقال الذهبي:
صحيح اهـ.
عرضه صلى الله عليه وسلم الكلمة على أبي طلب عند وفاته
وعند ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما - كما في البداية -
قال:
لمّا مَشوا إِلى أَبي طالب وكلَّموه وهم أَشراف قومه: عُتبةُ بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأَبو جهل بن هشام، وأُميةُ بن خَلَف، وأبو سفيان بن حَرب، في رجال من أشرافهم،
فقالوا:
يا أبا طالب، إِنَّك منَّ حيث قد علمتَ، وقد حضرك ما ترى، وتخوَّفنا عليك، قد علمتَ الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادْعه فخذْ لنا منه وخذْ له منّا ليكفَّ عنا ولنكفَّ عنه ولْيدَعْنا وديننا ولْنَدَعه ودينه.
فبعث إِليه أَبو طالب فجاءه،
فقال:
يا ابن أخي، هؤلاء أَشراف قومك قد اجتمعوا إِليك ليعطوك وليأَخذوا منك،
قال:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«نعم كلمة واحدة تعطونها تملكون به العرب وتَدين لكم بها العجم»
،
فقال أبو جهل:
نعم وأَبيك وعشر كلمات،
قال:
«تقولون: لا إِله إلا الله، وتخلَعون ما تعبدون من دونه»
فصفَّقوا بأَيديهم،
ثم قالوا:
يا محمد، أَتريد أَن تجعلَ الآلهة إِلهاً واحداً؟
إِنَّ أمرك لعجبٌ قال ثم قال بعضهم لبعض:
إِنَّه - والله - ما هذا الرجل بمعطيكُم شيئاً مما تريدون، فانطلِقُوا وامضُوا على دين آبائكم حتى يحكُم الله بينكم وبينه، ثم تفرَّقوا.
قال:
فقال أبو طالب: الله يا ابن أخي، ما رأيتك سألتهم شططاً،
قال:
فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه،
فجعل يقول له:
أَيْ عم،
فأنت فقُلْها إستحلُّ لك بها الشفاعة يوم القيامة» فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
يا ابن أخي. والله لولا مخافةُ السُبَّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأَن تظنَّ قريش أني إِنما قلتها جَزَعاً من الموت لقلتها، لا أقلها إلا لأسرَّكَ بها.. فذكر الحديث.. وفيه راوٍ مبهم لا يُعرف حالُه.
وعند البخاري عن ابن المسيِّب عن أبيه أنَّ أبا طالب لما حضرته الوفاة
دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال:
«أيْ عم،
قل:
لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ بها عند الله»
،
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية:
يا أبا طالب، أترغب عن ملَّة عبد الطلب؟
فلم يزالا يكلِّمانه حتى قال آخر ما كلَّمهم به:
على ملَّةِ عبد المطلب؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم
«لأستغفرنَّ لك ما لم أُنَه عنك»
فنزلت:
{مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
(التوبة: ١١٣)
ونزلت:
{إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
(القصص: ٥٦)
، ورواه مسلمك.
وأخرجاه أيضاً من طريق آخرَ عنه بنَحْوِه وقال فيه فلم يزلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال:
على ملَّة عبد المطَّلب،
وأبى أن يقول:
«لا إله إلا الله»
فقال النبي صلى الله عليه وسلم
«أمَا لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك»
، فأنزلَ الله - يعني بعد ذلك - فذكر الآيتين.
وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والنِّسائي والترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال:
لم حضرتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
«يا عمَّاه قُلْ: لا إِله إِلا الله أشهدْ لك بها يوم القيامة»
،
فقال:
لولا أنْ تعيِّرني قريش يقولون: ما حمله عليه إِلا فزعُ الموت لأقررتُ بها عينك، ولا أقولها إِلا لأُقرَّ بها عينك؛
فأنزل الله عزّ وجلّ:
{إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ
وَلَاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
(القصص: ٥٦)
، كذا في البداية.
إنكاره صلى الله عليه وسلم أن تترك الدعوة إلى الله