الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج البيهقي عن عروة أنَّ أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه أمر خالد بن الوليد رضي الله عنه حين بعثه إلى من ارتدَّ من العرب أن يدعوهم بدعاية الإِسلام، ويبينهم بالذي لهم فيه وعليهم ويحرص على هُداهم، فمن أجابه من النَّاس كلِّهم أحمرهم وأسودهم كان يقبل ذلك منه، بأنه إنما يقاتل من كفر بالله على الإِيمان بالله، فإذا أَجاب المدعو إلى الإِسلام وصدق إيمانه لم يكن عليه سبيل وكان الله هو حسيبه، ومن لم يجبه إلى ما دعاه إِليه من الإِسلام ممَّن يرجع عنه أن يقتله. كذا في الكنز.
[دعوة خالد بن الوليد لأهل الحيرة]
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن حُمَيد، عن سلمة، عن ابن إسحاق،
عن صالح بن كيسان:
أنَّ خالداً نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس بن حيَّة الطائي - وكان أمَّره عليه كسرى بعد النعمان بن المنذر -
فقال له خالد ولأصحابه:
أدعوكم إِلى الله وإلى الإِسلام، فإن أجبتم إِليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فالجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة؛ جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.
فقال له قبيصة:
ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية. فصالحهم على تسعين ألف درهم.
وأخرجه البيهقي من طريق يونس بن بُكَير عن ابن إسحاق وفيه:
فقال خالد: أدعوكم إلى الإِسلام، وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده وأن محمداً عبده ورسوله، وتُقيموا الصلاة، وتُؤتوا الزكاة، وتقرُّوا بأحكام المسلمين، على أنَّ لكم مثلَ ما لهم وعليكم مثل ما عليهم.
فقال هانىء:
وإن لم أشأ ذلك فَمَه؟
قال:
فإن أبيتم ذلك أديتم الجزية عن يدٍ.
قال:
فإن أبينا ذلك؟
قال:
فإن أبيتم ذلك وطئتكم بقوم الموت أحب إليهم من الحياة إليكم.
فقال هانىء:
أجِّلنا ليلتنا هذه فننظر في أمرنا،
قال:
قد فعلت.
فلما أصبح القوم غدا هانىء فقال:
إنه قد أجمع أمرنا على أن نؤدِّي الجزية، فهلمَّ فلأصالحك - فذكر القصة.
وقال في البداية أيضاً:
لمَّا تقارب الناس يوم اليرموك تقدّم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور،
والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل ونادوا:
إنَّما نريد أميركم لنجتمع به، فأُذن لهم للدخول على تذارق، وإِذا هو جالس في خيمة من حرير،
فقال الصحابة:
لا نستحلُّ دخولها. فأمر لهم بفرش بسط من حرير،
فقالوا:
ولا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبُّوا، وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله عزّ وجلّ فلم يتمَّ ذلك.
دعوة خالد للأمير الرومي جَرجَة يوم اليرموك وقصة إسلامه
وذكر في البداية عن الواقدي وغيره قالوا:
خرج جَرَجَة - أحد الأمراء
الكبار - من الصفِّ - أي يوم اليرموك - واستدعَى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما،
فقال جَرَجَة:
يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تَكذبني، فإن الحرّ لا يكذب،
ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله:
هل أنزل الله على نبيِّكم سيفاً من السماء فأعطاكَه فلا تسلَّه على أحد إلا هزمتهم؟
قال:
لا، قال فبِمَ سُمِّيت سيف الله؟
قال:
إنَّ الله بعث فينا نبيَّه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إنَّ بعضنا صدَّقه وتابعه وبعضنا كذَّبه وباعده، فكنت فيمن كذَّبه وباعده. ثم إنَّ الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه.
فقال لي:
«أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين»
ودعا لي بالنَّصر، فسُمِّيتُ سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جَرَجَة:
يا خالد إِلامَ تدعون؟
قال:
إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإِقرار بما جاء به من عند الله عزّ وجلّ.
قال:
فمن لم يجبكم؟
قال:
فالجزية ونمنعهم.
قال:
فإن لم يعطِها قال: نُؤذِنُه بالحرب ثم نقاتله.
قال:
فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟
قال:
منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا قال جَرَجَة: فلِمَنْ دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذُّخر؟
قال:
نعم وأفضل.
قال:
وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟
فقال خالد:
إِنَّا قبلنا هذا الأمر عَنْوة وبايعنا نبينا وهو حيٌّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء يخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات؛ وحقٌّ لمن رأى ما رينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع؛ وإنَّكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج؛ فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيّة كان أفضل منّا.
فقال جَرَجَة:
بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟
قال:
تالله لقد صدقتك، وإنَّ الله وليّ
ما سألت عنه.
فعند ذلك قَلَبَ جَرَجَة الترس ومال مع خالد وقال:
علّمني الإِسلام. فمال به خالد إلى فسطاطه فشنّ عليه قِربةً من ماء ثم صلَّى به ركعتين. وحملت الروم مع إنقلابه إلى خالد وهم يَرَون أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إِلا المُحامية عليهم عِكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام.
فركب خالد وجَرَجَة معه والروم خلال المسلمين، فتنادَى الناس وثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقفهم، وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، وصلَّى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماءً، وأصيب جَرَجَة - رحمه الله - ولم يصلِّ لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما.
وقال الحافظ في الإِصابة:
ذكره ابن يونس الأزدي في فتوح الشام،
ومن طريق أبي نُعَيم في الدلائل وقال:
جرجير،
وقال سَيْف بن عمر في الفتوح:
جَرَجَة، وذكر أنه أسلم على يدي خالد بن الوليد واستشهد باليرموك؛ وذكر قصته أبو حذيفة إسحاق بن بشر في الفتوح أيضاً لكن لم يسمِّه. انتهى.
وذكر في البداية عن خالد رضي الله عنه أنَّه قام في الناس خطيباً، فرغَّبهم في بلاد الأعاجم، وزهدهم في بلاد العرب،
وقال:
ألا تَرون ما ها هنا من الأطعمات، وبالله لو لم يلزمْنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إِلى الإِسلام ولم يكن إلا المعاش - لكان رأيٌ أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونُولي الجوع والإِقلال من تولاه ممن أثَّاقل عما أنتم عليه - انتهى. وأسنده ابن جرير في تاريخه من طريق سَيْف عن محمد بن أبي عثمان بنحوه.
دعوة الصحابة إلى الله ورسوله في القتال في عهد عمر رضي الله عنه ووصيته الأمراء بذلك كتاب عمر إلى سعد لدعوة الناس إلى الإِسلام ثلاثة أيام
أخرج أبو عُبَيْد عن يزيدَ بن أبي حبيب قال:
كتب عمر بن الخطاب
إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما:
أني قد كنت كتبت إليك أن تدعو الناس إلى الإِسلام ثلاثة أيام، فمن استجاب لك قبل القتال فهو رجل من المسلمين، له ما للمسلمين وله سهم في الإسلام، ومن استجاب لك بعد القتال أو بعد الهزيمة فمالُه فيء للمسلمين لأنَّهم كانوا قد أحرزوه قبل إسلامه. فهذا أمري وكتابي إليك؛ كذا في الكنز.
[دعوة سلمان الفارسي يوم القصر الأبيض ثلاثة أيام]
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي البَختري:
أنَّ جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي رضي الله عنه، فحاصروا قصراً من قصور فارس،
فقالوا:
يا أبا عبد الله، ألا نَنْهد إليهم؟
قال:
دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم،
فقال لهم:
أنا رجل منكم فارسي أَتَرَون العرب تطيعني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينَكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يَدٍ وأنتم صاغرون - قال ورطَنَ إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء.
فقالوا:
ما نحن بالذي نؤمن، وما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم.
قالوا:
يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟
قال:
لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا.
ثم قال:
انهدوا إليهم فنهدوا إليهم. قال ففتحوا ذلك الحصن.
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك كما في نَصْب الراية بمعناه وفيه:
فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغدَوا إليها ففتحوها.
وأخرجه ابن أبي شيبة كما في الكنز.
وأخرجه أيضاً ابن جرير عن أبي البَختري قال:
كان رائدَ المسلمين سلمانُ الفارسي، وكان المسلمون قد جعلوه داعيةَ أهل فارس.
قال عطية:
وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بَهُرَسير، وأمَّروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثاً - فذكر الحديث في دعوة سلمان رضي الله عنه بمعناه.
دعوة النعمان بن مقرِّن وأصحابه لرستم يوم القادسية
وذكر ابن كثير في البداية أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعث جماعة من السادات منهم:
النُّعمان بن مُقرِّن، وفُرَات بن حيَّان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعُطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة. وعمرو بن معدِ يكَرِب، رضي الله عنهم، يدعون رُستم إلى الله عزّ وجلّ.
فقال لهم رُستم:
ما أقدمكم؟
فقالوا:
جئنا لموعود الله إيانا أخذ بلادكم، وسبي نسائكم وأبنائكم، وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك. وقد رأى رُستم في منامه كأن مَلَكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كلِّه، ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه.
[دعوة المغيرة بن شعبة لرستم]
وقال سيف عن شيوخه:
ولمَّا تواجه الجيشان بعث رُستم إلى سعد رضي الله عنه عنه أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة.
فلما قدم إليه جعل رُستم يقول له:
إنكم جيرانُنا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إِلى بلادكم لا نمنع تجارتكم من الدخول إلى
بلادنا.
فقال له المغيرة:
إنا ليس طلبنا الدنيا وإِنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً،
قال له:
إنِّي قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدنِ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مُقرِّين به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به إلا عزّ.
فقال له رُستم:
فما هو؟
فقال:
أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإِقرار بما جاء من عند الله.
فقال:
ما أحسن هذا وأي شيء أيضاً؟
قال:
وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله،
قال:
وحَسَنٌ أيضاً. وأي شيء أيضاً؟
قال:
والناس بنو آدم فهم أخوة لأب وأم.
قال:
وحسن أيضاً.
قال:
ولما خرج المغيرة من عنده ذكرَ رستم رؤساء قومه في الإِسلام، فأنفوا ذلك وأبَوا أن يدخلوا فيه، قبَّحهم الله وأخزاهم وقد فعل.
دعوة رِبْعي بن عامر لرستم
قالوا:
ثم بعث إليه سعد رضي الله عنه رسولاً آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسه بالنَّمارق المذهَّبة، والزَّرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحُه ودرعه وبيضتُه على رأسه.
فقالوا له:
ضع سلاحك فقال: إني لم آتِكم وإِنّم جئتكم حين دعوتموني، فإنما تركتموني هكذا وإِلا رجعت.
فقال رستم:
إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامتها،
فقالوا له:
ما جاء بكم؟
فقال:
الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى
سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله،
قالوا:
وما موعودُ الله؟
قال:
الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
فقال رستم:
لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟
قال:
نعم، كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين،
قال:
لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.
فقال:
ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
فقال:
أسيِّدهم أنت؟
قال:
لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم.
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال:
هل رأيتم قط أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟
فقالوا:
معاذ الله أن تميل إِلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟
فقال:
ويلَكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفُّون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب.
دعوة حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة لرستم في اليوم الثاني والثالث
ثم بعثوا في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصَنَ فتكلم نحو ما قال رِبعي، وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فتكلم بكلام حسن طويل،
قال فيه رُستم للمغيرة:
إنَّما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل،
فقال:
من يوصلني إِليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول من يخلِّصني وله أربعة دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جُحْراً في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمِن أفسد شيئاً كثيراً، فجاء بخشبة واستعان عليه بغلمانه، فذهب ليخرج فلم يستطع لِسَمْنه فضربه حتى
قلته، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضباً، وأقسم بالشمس لأقتلَّنكم غداً.
فقال المغيرة:
ستعلم.
ثم قال رستم للمغيرة:
قد أمرت لكم بكسوة ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا. فقال المغيرة أبعدَ أن أوهنَّا مُلْككم وضعَّفنا عزَّكم؟ ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيداً علىء رَغْمِكم. فلما قال ذلك استشاط غضباً - انتهى في البداية.
وأخرجه الطبري عن ابن الرُّفَيْل عن أبيه وعن أبي عثمان النَّهدي وغيرهما - فذكر دعوة زُهْرة والمغيرة ورِبْعي وحذيفة - رضي الله عنهم بطوله بمعنى ما تقدم.
[بعث سعد طائفة من أصحابه إلى كسرى للدعوة قبل الوقعة]
وأخرج ابن جرير عن حسين بن عبد الرحمن قال:
قال أبو وائل: جاء سعد رضي الله عنه حتى نزل القادسية ومعه الناس قال: لا أدري لعلَّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف والمشركون ثلاثون ألفاً - كذا في هذه الرواية؛ وذكر في البداية عن سَيْف وغيره أنهم كانوا ثمانين ألفاً.
وفي رواية:
كان رُستم في مائة ألف وعشرين ألف يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً منها فيل أبيض كان لسابور فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه. انتهى؛ ونحو ذلك.
فقالوا:
لا يَدَ لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم؟ إرجعوا.
قال قلنا:
ما نحن براجعين.
فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون:
«دُوك دُوك»
ويشبهونها بالمغازل.
فلمَّا أبينا عليهم أن نرجع قالوا:
إبعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم؟
فقال المغيرة بن شعبة:
أن، فعبر إليهم فقعد مع رُستم على السرير، فنخروا وصاحوا.
فقال:
إِنَّ هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم.
فقال رستم:
صدقتَ، ما جاء بكم؟
فقال:
إنا كنا قوماً في شر وضلالة فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبّةٌ تنبت في هذا البلد،
فلما يكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا:
لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبّة.
فقال رستم:
إذاً نقتلكم.
قال:
إن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار وأدَّيتم الجزية.
قال:
فلما قال وأدّيتم الجزية نخروا وصاحوا،
وقالوا:
لا صلح بيننا وبينكم. فقال المغيرة؛ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم؛ كذا في البداية.
وأخرجه الحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن أبي وائل قال:
شهدت القادسية فانطلق المغيرة بن شعبة رضي الله عنه - فذكره مختصراً.