صفحة 25الباب الأول باب الدعوة إلى الله وإلى رسوله كيف كانت الدعوةُ إلى الله وإِلى رسوله صلى الله عليه وسلم أحَبَّ إلى النبي عليه السلام وإلى الصحابة رضي الله عنهم من كل شيء وكيف كانوا حريصين على أَن يهتديَ الناس ويدخلوا في دين الله وينْغَمسوا في رحمة الله وكيف كان سعيهم في ذلك لإيصال الخلق إِلى الحق.📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

أخرج يعقوب بن سفيان الفَسَوي الحافظ عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال:

سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصَّافاً - عن حِلْية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَنا أشتهي أَن يصف لي منها شيئاً أَتعلَّق به،

فقال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فَخْماً مُفَخَّماً، يتلألأُ وجهه تلألؤَ القمر ليلة البدر. أطولَ من المربوع وأَقصر من المشذَّب عظيم الهامة. رَجْل الشعر، إِذا تفرقت عقيصته فَرَق، وإِلا فلا يجاوز شعرُه شحمةَ أذنيه إذا وفَّره. أزهر اللون. واسع الجبين. أَزجَّ الحواجب، سوابغ في غير قَرَن، بينهما عِرْق

يُدِرُّه الغضب. أَقنى العِرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأَمله أَشمّ. كَثَّ اللحية. أَدعج. سهل الخدين. ضليع الفم. أَشنب، مُفَلَّجَ الأَسنان. دقيق المَسربة. كأَن عنقه جيد دُمية في صفاء الفضة، معتدلَ الخَلْق. بادناً متماسكاً. سَوَاء البطن والصدر. عريض الصدر. بعيدَ ما بين المنكبين. ضخم الكراديس. أنورَ المتجرد. موصولَ ما بين اللبة والسُّرَّة بشعر يجري كالخط. عاري الثديَيْن والبطن مما سوى ذلك. أَشعرَ الذراعين والمنكبين وأَعالي الصدر. طويلَ الزندين. رَحْبَ الرَّاحة. سبط القصب. شثن الكفَّين والقدمين. سائل الأطراف. خُمْصن الأخْمَصين.

مسيح القدمين، ينبو عنهما الماءُ. إِذا زال زال قَلْعاً يخطو تكفُّؤاً ويمشي هوناً. ذَرِيع المِشية، إذا مشى كأَنما ينحطُّ من صبب. وإِذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظرُه إِلى الأرض أَطول من نظره إِلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام» .

قلت:

صفْ لي منطقه،

قال:

«كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم متواصِلَ الأَحزان. دائمَ الفكرة. ليست له راحة. لا يتكلَّم في غير حاجة. طويلَ السكوت. يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه. يتكلم بجامع الكلم. كلامه فَصْل لا فضول لا تقصير، دَمِث. ليس بالجافي ولا المَهين، يعظِّم النِّعمة وإِن دقَّت، لا يذم منها شيئاً ولا يمدحه. ولا يقوم لغضبه - إِذا تُعرِّض للحق - شيءٌ حتى ينتصر له.

وفي رواية:

لا تغضبه الدنيا ما كان لها، فإِذا تُعرِّض للحق لم يعرفه أَحد ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إِذا أَشار أَشار بكفِّه كلِّها، وإِذا تعجَّب قَلَبها، وإِذا تحدَّث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إِبهامه اليسرى. وإِذا غضب أَعرض وأشاح. وإذا فرح غضَّ

طرفه، جُلُّ ضحك التبسُّم يفترُّ عن مِثْل حبِّ الغَمام.

قال الحسن:

فكتمتُها الحسنَ بن علي زماناً ثم حدَّثته فوجدته قد سبقني إِليه، فسأَله عما سأَلتُه عنه ووجدتُه قد سأل أَباه عن مَدْخله ومَخْرجه ومجلسه ومَخْرجه ومجلسه وشكله فلم يدعْ منه شيئاً.

قال الحسين:

سأَلت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«كان دخولُه لنفسه مأذوناً له في ذلك،

وكان إِذا أَوى إلى منزله جزَّأَ دخولَه ثلاثة أَجزاء:

جزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزَّأَ جزأه بينه وبين الناس فردَّ ذلك على العامة والخاصَّة لا يدَّخر عنهم شيئاً. وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أَهل الفضل بإِذنه وقَسْمه على قدر فضلهم في الدين، فمن هم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج،

فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسأَلته عنهم وإِخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول:

«ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته؛ فإِنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إِبلاغها إِياه ثبَّت الله قدميه يوم القيامة»

، لا يُذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيرَهُ، يدخلون عليه رُوّاداً ولا يفترقون إلا عن ذَواق -

وفي رواية:

ولا يفترقون إلا عن ذوق - ويخرجون أدلّة - يعني على الخير -.

قال:

وسأَلته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟

فقال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزُن لسانه إِلا بما يعنيه. ويؤلِّفهم ولا ينفِّرهم. ويكرم كريم كل قوم ويولِّيه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أَن يطوي على أَحد منهم بِشْرَه

ولا خُلُقَه. يتفقَّد أَصحابه، ويسأَل الناس عمَّا في الناس، ويحسِّن الحسن ويقوِّيه، ويقبِّح القبيح ويُوَهِّيه. معتدل الأمر غير مختلف. لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا. لكلِّ حال عنده عتاد. ولا يقصِّر عن الحق ولا يحوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم، أَفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأَعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.

قال:

فسأَلته عن مجلسه كيف كان؟

فقال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يُوطن الأَماكن وينهى عن إِيطانها. وإِذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أَنَّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أَو قومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأَله حاجة لم يردّه إِلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناسَ منه بَسطُه وخلقُه فسار لهم أباً وصاروا عنده في الحق سوء، مجلسُهُ مجلسُ حلم وحياءٍ وصبر وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُؤْبن فيه الحرم، ولا تُنثَى فلتاته. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقِّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب»

.

قال:

فسأَلته عن سيرته في جلسائه فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم

البِشْر، سهل الخُلُق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخَّاب، ولا فاش، ولا عيّاب، ولا مزَّاح. يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُؤْيس منه راجيَه، ولا يخيب فيه.

قد ترك نفسه من ثلاث:

المراء. والإِكثار، وما لا يعنيه.

وترك الناس من ثلاث:

كان لا يذم أَحداً ولا يعيِّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إِلا فيما يرجو ثوابه. إِذا تكلم أطرق جلساؤه كأَنما على رؤوسهم الطير، فإِذا تكلم سكتوا وإِذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده. يضحك ما يضحكن منه، ويتعجب مما يتعجبون من. ويصبر للغريب على الجفْوة في منطقه ومسأَلته حتى إِن كان أَصحابه ليستحلبونه في المنطق،

ويقول:

إِذا رأَيتم صاحب حاجة فأَرْفدوه. ولا يقبل الثناء إِلا من مكافىء ولا يقطع على أَحد حديثه حتى يَجُور فيقطعه بنهي أَو قيام» .

قال:

فسأَلته كيف كان سكوته؟

قال «كان سكوته على أربع:

الحلم، والحذر، التقدير، والتفكر؛ فأَما تقديره ففي تسويته النظر والإستماع بين الناس، وأمَّا تذكُّره -

أو قال:

تفكُّره - ففيما يبقى ويفنى. وجُمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه.

وجُمَع له الحذر في أربع:

أَخذه بالحسنى، والقيامُ لهم فيما جمع لهم الدنيا الآخرة صلى الله عليه وسلم

وقد روى هذا الحديث بطوله الترمذي في الشمائل عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال:

سأَلتُ خالي.. فذكَره، وفيه حديثه عن أخيه

الحسين عن أَبيه علي بن أبي طالب.

وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم بإِسناده عن الحسن قال:

سألتُ خالي هند بن أبي هالة.. فذكره،

كذا ذكر الحافظ ابن كثير في البداية قلت:

وساق إِسناد هذا الحديث الحاكم في المستدرك ثم قال.. فذكر الحديث بطوله. وأَخرجه أَيضاً الرُوياني والطبراني وابن عساكر كما في كنز العمال والبغوي كما في الإصابة،

وفيما ذكر في الكنز في آخره:

وجُمع له الحذر في أربع: أخْذُه بالحسنى ليُقْتَدَى به، وتَرْكُ القبيح ليُتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أَصلَح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة. وهكذا ذكره في المجمع عن الطبراني.

٧ -

الآثار في صفة الصحابة الكرام رضي الله عنهم:

أَخرج ابن جريج وابن أَبي حاتم عن السُّدِّي في قوله تعالى:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}

(آل عمران: ١١٠)

قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(لو شاء الله لقال:

«أنتم»

فكنَّا كلُّنا ولكن قال:

«كنتم»

خاصّة في أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومَنْ صنع مثل صنيعهم، كانوا خيرَ أمّة أُخرجَتْ للنَّاس)

.

وعند ابن جرير عن قَتَادة رضي الله عنه قال:

ذُكرَ لنا أَن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأَ هذه الآية:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}

(آل عمران: ١١٠)

- الآية،

ثم قال:

(يا أيَّها الناس، من

سرَّه أَن يكون من تِلْكم الآية فليؤدّ شرط الله منها) . كذا في كنز العمال.

وأَخرج أَبو نُعيم في الحلية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

(إِنَّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه. ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحاباً، فجعلَهم أَنصارَ دينه ووزراءَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم فما رآه المؤمنون حسناً فهو حسنٌ وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيحٌ)

.

وأخرجه ابن عبد البر في الإستيعاب عن ابن مسعود رضي الله عنه بمعناه ولم يذكُر:

(فما رآه المؤمنون - إلى آخره)

وأخرجه الطَّيالسي

(ص ٣٣)

أيضاً نحو حديث أبي نُعيم.

وأَخرج أبو نُعيم أَيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

(من كان مُستنّاً فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمّة، أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبَّهوا بأَخلاقهم وطرائقهم؛

فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم والله ربِّ الكعبة:

كذا في الحلية وأَخرج أَيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أنتم أَكثرُ صياماً وأَكثرُ صلاةً وأَكثرُ اجتهاداً من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيراً منكم قالوا: لِمَ يا أبا عبد الرحمن،

قال:

هم كانوا أزهد في الدنيا وأَرغب في الآخرة)

كذا في الحلية.

وأخرج أيضاً عن أَبي وائل قال:

سمع عبد الله رجلاً يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟

فقال عبد الله:

(أولئك أَصحاب الجابية، اشترط خمسُ

مائة من المسلمين أن لا يرجعوا حتى يُقتلوا، فحلقوا رؤوسهم ولقُوا العدو فقُتلوا إِلا مخبرٌ عنهم) كذا في حلية الأَولياء.

وأَخرج أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنه سمع رجلاً يقول:

أَين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟

فأَراه قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم وأَبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال:

(عن هؤلاء تسأَل)

كذا في الحلية.

وأَخرج ابن أَبي الدنيا عن أَبي أَراكة يقول:

صليتُ مع علي رضي الله عنه صلاة الفجر، فلما انفَتَلَ عن يمينه مكث كأَنَّ عليه كآبةً،

حتى إِذا كنت الشمس على حائِط المسجد قِيدَ رُمْح صلَّى ركعتين ثم قَلَب يده فقال:

(والله لقد رأَيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئاً يُشبههم لقد كانوا يُصبحون صُفْراً شُعْثاً غُبْراً بين أعينهم كأَمثال رُكَب المِعزى، قد باتوا لله سُجّداً وقياماً، يتلُون كتاب الله، يتراوحون بين جباهم وأقدامهم، فإِذا أَصبحوا فذكروا الله مادُوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأَنّ القومَ باتوا غافلين)

ثم نهض فما رُئِيَ بعد ذلك مفترَّاً يضحك حتى قتله ابن مُلْجَم عدوُّ الله الفاسق، كذا في البداية. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية والدينَوَرِي والعسكري وابن عساكر كما في الكنز.

وأَخرج أبو نعيم أَيضاً عن أبي صالح قال:

دخل ضرار بن ضمرة الكِناني

على معاوية فقال له:

صِفْ لي علياً،

فقال:

أَوَ تُعْفيني يا أمير المؤمنين؟ قال لا أُعفيك،

قال:

(أما إِذْ لا بدَّ؛ فإنَّه كان - والله - بعيد المدى، شديد القوى، يقول فَصْلاً ويحكم عدلاً، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنسُ بالليل وظلمته، كان - والله - غزير العَبْرة، طويل الفكرة، يقلِّبُ كفّه ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللباس ما قَصُر. ومن الطعام ما جَشُب، كان - والله - كأَحدنا يُدنينا إِذا أتيناه، ويُجيبنا إِذا سأَلناه، وكان مع تقرُّبِه إِلينا وقربهِ منا لا نكلمه هيبة له، فإِن تبسم فَعَنْ مثل اللؤلؤ المنظوم، يُعَظِّمُ أَهل الدين، ويُحبُّ المساكين، لا يطمعُ القويُّ في باطله، ولا ييأَسُ الضعيف من عدله، فأَشْهدُ بالله لقد رأيتُه في بعض مواقفه - وقد أَرخى الليل سدوله وغارت نجومه - يميلُ في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين،

فكأَني أسمعه الآن وهو يقول:

يا ربنا،

يا ربنا:

يتضرع إِليه ثم يقول للدنيا: إِليَّ تَغَرَّرْتِ؟ إِليَّ تشوَّفتِ؟ هيهات هيهات، غُرِّي غيري، قد بتَتُّكَ ثلاثاً. فعرُك قصيرٌ، ومجلسُك حقيرٌ، وخطرُك يسير، آه، آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشةِ الطريق)

فَوَكَفَتْ دموع معاوية على لحيتها يملكها وجعل ينشفها بكمه - وقد اختنق القوم بالبكاء -

فقال:

(كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُك عليه يا ضرار)

؟

قال:

«وَجْد مَنْ ذُبح واحدها في حِجْرها، لا ترقأُ دمعتها، ولا يسكن حزنها) ثم قام فخرج. وأَخرجه أيضاً ابن عبد البر في الإستيعاب عن الحِرماني - رجل من همْدان - عن ضِرار الصُدَائي بمعناه.

وأخرج أبو نُعيم عن قتادة قال:

سُئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كان أَصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضحكون قال: (نعم والإِيمانُ في قلوبهم أعظمُ من

الجبال) كذا في الحلية.

وأَخرج هنَّاد عن سعيد بن عمر القرشي أنَّ عمر رضي الله عنه رأى رُفْقة من أهل اليمن رحالهم الأَدَمُ فقال:

(من أحبَّ أن ينظر إلى شَبَهٍ كانوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هؤلاء)

كذا في كنز العمال.

وأَخرج الحاكم في المستدرك عن أَبي سعيد المَقْبُري قال:

لما طُعن أبو عبيدة رضي الله عنه قال: يا معاذُ صلِّ بالناس، فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح،

فقام معاذ في الناس فقال:

(يا أيّها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحاً فإِن عبد الله لا يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أَن يغفر له.

ثم قال:

إنكم أيها الناس، قد فُجِعتم برجل - والله - ما أَزعم أَني رأيت من عباد الله عبداً قطُّ أَقل غِمْراً، ولا أبرأ صدراً، ولا أَبعد غائلة، ولا أَشد حباً للعاقبة، ولا أَنصح للعامة منه، فترحَّموا عليه ثم أَصْحِروا للصلاة عليه، فوالله لا يلي عليكم مثله أبداً)

. فاجتمع الناس وأُخرج أَبو عبيدة رضي الله عنه وتقدَّم معاذ رضي الله عنه فصلّى عليه، حتى إذا أُتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو ابن العاص والضحَّاك بن قيس، فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنّوا عليه التراب،

فقال معاذ بن جبل:

(يا أبا عبيدة،

لأثنِيَنَّ عليك ولا أقول باطلاً أَخاف أَن يلحقني بها من الله مَقْتٌ:

كنتَ - والله - ما علمتُ من الذاكرين الله كثيراً، ومن الذين يمشون على الأَرض هَوْناً وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ومن الذين إِذا أَنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتُروا وكان بين ذلك قواماً، وكنت والله من المُخبتين، المتواضعين، الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويُبغضون الخائنين المتكبرين) .

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...