الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج الطبراني عن عروة رضي الله عنه مرسلاً قال:
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثني عشر ألفاً: من المهاجرين، والأنصار، وأسْلَم، وغِفار، وجُهينة، وبني سُلَيم، وقادوا الخيول حتى نزلوا بمرِّ الظهران ولم تعلم بهم قريش،
وبعثوا بحكيم بن حِزام وأبي سفيان إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا:
خذ لنا منه جواراً أو آذنوه بالحرب. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام فلقيا بُدَيل بن ورقاء فاسْتَصْحَبَاه، حتى إذا كانا بالأراك من مكة - وذلك عشاء - رأوا الفساطيط والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل،
فراعهم وفزعوا منه وقالوا:
هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب.
فقال بُديل:
هؤلاء أكبر من بني كعب ما بلغ تأليبها هذا، أفتنتجع هوازن أرضنا؟ والله ما نعرف هذا أيضاً، إنَّ هذا لمثل حاج الناس. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث بين يديه خيلاً تقبض العيون، وخزاعة على الطريق لا يتركون أحداً يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذهم الخيل تحت
الليل وأتَوا بهم خائفين القتل. فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي سفيان فوجأ في عنقه، والتزمه القوم وخرجوا به ليدخلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاف القتل - وكان العباس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه خالصة له في الجاهلية -
فصاح بأعلى صوته:
ألا تأمروا لي إلى عباس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبضه إليه ومشى في القوم مكانه. فركب به عباس تحت الليل فسار به في عسكر القوم حتى أبصروه أجمع،
وقد كان عمر قد قال لأبي سفيان حين وجأ عنقه:
والله لا تدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تموت.
فاستغاث بعباس فقال:
إني مقتول، فمنعه من الناس أن ينتهبوه.
فلما رأى كثرة الناس وطاعتهم قال:
لم أرَ كالليلة جمعاً لقوم.
فخلَّصه العباس من أيديهم وقال:
إِنك مقتول إِن لم تسلم وتشهد أن محمداً رسول الله. فجعل يريد يقول الذي يأمره العباس فلا ينطلق لسانه فبات مع عباس. وأما حَكيم بن حِزَام وبُدَيل بن ورقاء فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وجعل يستخبرهما عن أهل مكة. فلما نُودي بالصلاة صلاة الصبح تحيَّن القوم،
ففزع أبو سفيان فقال:
يا عباس، ماذا تريدون؟
قال:
هم المسلمون يتيسرون بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج بن عباس.
فلما أبصرهم أبو سفيان قال:
يا عباس، أما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟
فقال عباس:
لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه.
قال عباس:
فكلِّمه في قومك هل عنده من عفو عنه.
فأتى العباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال عباس:
يا رسول الله، هذا أبو سفيان،
فقال أبو سفيان:
يا محمد، إني قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك،
فوالله ما رأيتك إلا قد ظهرت عليّ فلو كان إلهي محقّاً وإِلهك مبطلاً لظهرتُ عليك فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقال عباس:
يا رسول الله، إني أحب أن تأذن لي آتي قومك فأنذرهم ما نزل وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذن له،
فقال عباس:
كيف أقول لهم يا رسول الله؟ بيِّن لي من ذلك أماناً يطمئنون إليه،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول لهم:
من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله فهو آمن. ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن.
ومن أغلق عليه بابه فهو آمن:
فقال عباس: يا رسول الله، أبو سفيان
ابن
عمنا وأحبَّ أن يرجع معي، فلو اختصصته بمعروف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم
«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»
. فجعل أبو سفيان يستفقه ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ومن دخل دار حكيم بن حزام وكف يده فهو آمن، ودار حكيم بأسفل مكة. وحمل النبي صلى الله عليه وسلم عباساً على بغلته البيضاء التي كان أهداها إِليه دِحْية الكلبي رضي الله عنه. فانطلق عباس بأبي سفيان قد أردفه،
فلما سار عباس بعث النبي صلى الله عليه وسلم في إثره فقال:
أدركوا عباساً فردوه عليّ، وحدَّثهم بالذي خاف عليه، فأدركه الرسول،
فكره عباس الرجوع وقال:
أيرهب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع أبو سفيان راغباً في قلّة الناس فيكفر بعد إِسلامه؟
فقال:
إحبسه فحبسه.
فقال أبو سفيان:
أغدراً يا بني هاشم؟
فقال عباس:
إنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة.
قال:
وما هي؟ أقضيها لك.
قال:
تُفادها حين يقدم عليك خالد بن الوليد، والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك من مرّ، وقد وعى أبو سفيان منه حديثه. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل بعضها على إثر بعض،
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل شطرين:
فبعث الزبير، وردفه خيل بالجيش من أسْلَم وغفار وقضاعة.
فقال أبو سفيان:
رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا يا عباس؟
قال:
لا ولكن خالد بن الوليد. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة رضي الله عنه بين يديه في كتيبة الأنصار.
فقال:
اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلُّ الحرمة.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الإِيمان:
المهاجرين والأنصار.
فلما رأى أبو سفيان وجوهاً كثيرة لا يعرفها فقال:
يا رسول الله، أكثرت أو اخترت هذه الوجوه على قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«أنت فعلتَ ذلك وقومُك، إنَّ هؤلاء صدّقوني إذ كذبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني»
- ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ الأقرع بن حابس، وعباس بن
مرداس، وعُيينة بن حصن
بن الفَزاري -
فلما أبصرهم حول النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من هؤلاء يا عباس؟
قال:
هذه كتيبة النبي صلى الله عليه وسلم ومع هذه الموت الأحمر هؤلاء المهاجرون والأنصار.
قال:
إمضِ يا عباس، فلم أرَ كاليوم جنوداً قطُّ ولا جماعة. فسار الزبير في الناس حتى وقف بالحَجُون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة فلقيه أوباش بني بكر فقاتلوهم، فهزمهم الله عزّ وجلّ، وقُتلوا بالحَزْوَرة حتى دخلوا الدور، وارتفع طائفة منهم على الخيل على الخَنْدَمة، واتبعه المسلمون، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس،
ونادى منادٍ:
من أغلق عليه داره وكف يده فإنه آمن،
ونادى أبو سفيان بمكة:
أسلموا تسلموا،
وكفَّهم الله عزّ وجلّ عن عباس:
وأقبلت هند بنت عتبة فأخذت بحلية أبي سفيان ثم نادت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ الأحمق.
قال:
فأرسلي لحيتي، فأقسم بالله إن أنت لم تسلمي لتضربنَّ عنقك. ويلكِ جاء بالحق فادخلي أريكتك، - أحسَبُهُ قال -: واسكتي.
قال الهيثمي:
رواه الطبراني مرسلاً وفيه: ابن لِهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. انتهى. وأخرجه أيضاً ابن عائذ في مغازي عروة بطوله كما في الفتح، وأخرجه البخاري عن عروة مختصراً؛ والبيهقي كذلك.
إسلام سهيل بن عمرو وشهادته بدماثة أخلاقه صلى الله عليه وسلم وأخرج الواقدي، وابن عساكر،
وابن سعد عن سهيل بن عمرو رضي الله عنه قال:
لمَّا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وظهر اقتحمت بيتي، وأغلقت عليَّ بابي، وأرسلت ابني عبد الله بن سهيل أنِ أطلبْ لي جِواراً من محمد صلى الله عليه وسلم فإني لا آمن أن أُقتل.
فذهب عبد الله بن سهيل فقال:
يا رسول الله، أبي تُؤمنه؟
قال:
نعم، هو آمن بأمان الله فليظهرْ.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله:
«من لقي منكم سهيلاً له عقل، وشرف وما مثل سهيل جهل الإِسلام، والقدر أيّ ما كان يوضع فيه إنه لم يكن له بنافع»
.
فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سهيل:
كان - والله - براً صغيراً وكبيراً. فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى حُنَين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على شركه حتى أسلم بالجِعْرانة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ من غنائم حُنَين مائة من الإِبل. كذا في كنز العمال؛ وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك مثله.
[قوله عليه السلام لأهل مكة يوم الفتح]
وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
لمَّا كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام -
قال عمر:
فقلت: قد أمكن الله منهم لأعرفنَّهم بما صنعوا - حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«مَثَلي ومثلكم كما قال يوسف لإِخوته: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ، يغفِرُ الله لكم، وهو أرحمُ الراحمينَ»
.
قال عمر:
فافتضحت حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية أن يكون بدر مني،
وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال:
كذا في الكنز.
وعند ابن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين:
قال: لمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخل البيت ثم خرح فوضع يده على عضادتي الباب فقال:
«ماذا تقولون؟»
فقال سهيل بن عمرو: نقول ونظنُّ خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قَدْرتَ.
فقال:
«أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ»
. كذا في الإِصابة.
وأخرجه البيهقي من طريق القاسم بن سلام بن مسكين عن أبيه، عن ثابت البُنَاني عن عبد الله بن رَبَاح عن أبي هريرة رضي الله عنه - فذكر الحديث،
وفيه:
قال: ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال:
«ما تقولون؟ وما تظنون؟»
قالوا نقول: ابن أخ، وابن عم حليم رحيم.
قال:
وقالوا ذلك ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«أقول كما قال يوسف: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ، يغفرُ الله لكم، وهو أرحمُ الراحمينَ»
.
قال:
فخرجوا كأنما نُشِروا من القبور، فدخلوا في الإِسلام.
قال البيهقي:
وفيما حكى الشافعي عن أبي يوسف في هذه القصَّة: أنه قال لم حين اجتمعوا في المسجد:
«ما ترون أني صانع بكم؟
قالوا:
خيراً، أخ كريم،
وابن أخ كريم قال:
«إذهبوا فأنتم الطلقاء»
. انتهى.
قصة إسلام عِكْرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أمان عكرمة حين استأمنت له زوجته أم حكيم
أخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال:
لمَّا كان يوم الفتح أسلمت أُم حكيم:
يا رسول الله، قد هرب عِكْرمة منك إلى اليمن وخاف أن تقتله فآمنْه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«هو آمن»
. فخرجَتْ في طلبه ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنِّيه حتى قدمت على حيّ من عَكّ، فاستعانتهم عليه فأوثقوه رباطاً، وأدركت عِكرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر،
فجعل نوتيُّ السفينة يقول له:
يخلِص.
قال:
أي شيء أقول؟
قال:
قل لا إله إلا الله.
قال عكرمة:
ما هربت إلا من هذا،
فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر فجعلت تليح إليه وتقول:
يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس، وأبرِّ الناس، وخير الناس؛ لا تُهلك نفسك. فوقف له حتى أدركته،
فقال:
إني قد استأمنت لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنت فعلت؟
قالت:
نعم. أنا كلمته فآمنك. فرجع معها، وقالت ما لقيتُ من غلامك الرومي؟ وخبَّرته خبره، فقتله عكرمة وهو يومئذٍ لم يسلم.
إسلام عكرمة وشهادته بكمال برِّه عليه السلام
فلما دنا من مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
«يأتيكم عِكْرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً فلا تسبُّوا أباه، فإنَّ سبَّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت»
.
قال:
وجعل عكرمة يطلب إمرأته يجامعها فتأبى عليه وتقول: إنك كفر أنا مسلمة.
فيقول:
إِنَّ أمراً منعك مني لأمرٌ كبير. فلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم عِكرمة وثب إليه وما على النبي صلى الله عليه وسلم رداء فرحاً بعِكْرمة.
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين يديه ومعه زوجتُه متَنَقِّبَة فقال:
يا محمد، إنَّ هذه أخبرتني أنك آمنتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«صَدَقَتْ، فأنت آمن»
،
قال عكرمة:
فإلامَ تدعو يا محمد؟
قال:
«أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتفعل وتفعل»
حتى عدَّ خصال الإِسلام.
فقال عكرمة:
والله، ما
دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت - والله - فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً، وأبرُّنا براً.
ثم قال عكرمة:
فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:
يا رسول الله، علِّمني خيرَ شيء أقوله.
فقال:
تقول:
«أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله»
.
فقال عكرمة:
ثم ماذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول
«أشهد الله، وأشهد من حضر أني مسلم مجاهد مهاجر»
. فقال عكرمة ذلك.
[دعاؤه صلى الله عليه وسلم لعكرمة]
فقال رسول الله:
«لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتُكَه»
.
قال عكرمة:
فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتُكَها، أو مسير أوْضَعْتُ فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«اللَّهمَّ إغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، واغفر له ما نال مني من عرض في وجهي أو أنا غائب عنه»
.
فقال عكرمة:
رضيتُ يا رسول الله.
ثم قال عكرمة:
أما - والله - يا رسول الله لا أدُع نفقة كنت أنفقتها في صدَ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدَ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهد في القتال حتى قُتل شهيداً. فردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إمرأته بذلك النكاح الأول. قال الواقدي عن رجاله؛
وقال سهيل بن عمرو يوم حُنين:
لا يختبرهما محمد وأصحابه.
قال يقول له عكرمة:
إن هذا ليس يقول إنما الأمر بيد الله وليس إلى محمد من الأمر شيء، إِنْ أُديل عليه اليوم فإنَّ له العاقبة غداً.
قال يقول سهيل:
والله إنَّ عهدك بخلافه لحديث،
قال:
يا أبا يزيد، إنَّا كنَّا - والله -
نوضع في غير شيء وعقولنا عقولنا، نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع. كذا في كنز العمال.
وأخرجه أيضاً الحاكم من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما،
ولكنه اقتصر فيه إلى قوله:
فلمَّا بلغ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم استبشر، ووثب له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على رجليه فرحاً بقدومه.
ثم أخرج عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال:
قال عكرمة بن أبي جهل: لمَّا انتهيت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا محمد، إِنَّ هذه أخبرتني أنَّك آمنْتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«أنت آمن»
.
فقلت:
أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبرُّ الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس.
قال عكرمة:
أقول ذلك وإني لمطأطىء رأسي إستحياءً منه،
ثم قلت:
يا رسول الله، إستغفر لي كل عداوة عاديتكَها، أو مَرْكب أوضعت فيه أُريد فيه إظهار الشرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«اللَّهمَّ إغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو مَرْكب أوضع فيه ييد أن يصدَّ عن سبيلك»
.
قلت:
يا رسول الله، مُرني بخير ما تعلم فأعلمهُ.
قال:
«قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله»
.
ثم قال عكرمة:
أما - والله - يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصدِّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصدِّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله.
[إجتهاد عكرمة في القتال واستشهاده رضي الله عنه]
ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أُجْنَادين شهيداً في خلافة أبي بكر
رضي الله عنه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عام حجته على هوازن يُصدِّقها؛ فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكرمة يومئذٍ بتَبالة. وقد أخرج الطبراني أيضاً عن عروة رضي الله عنه قصَّة إسلامه مختصراً كما في المجمع.
قصة إسلام صفوان بن أمية رضي الله عنه أمان صفوان حين استأمن له عُمَير بن وَهْب
أخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال:
لما كان يوم الفتح أسلمت إمرأة صفوان بن أُمية - البَغوم بنت المعدَّل من كِنَانة - وأما صفوان بن أُمية فهرب حتى أتى الشِّعْب وجعل يقول لغلامه يَسار - وليس معه غيره -: ويحك، أنظر من ترى؟
قال:
هذا عمير بن وَهْب قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله، ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمداً عليّ،
فلحقه فقال:
يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حمَّلْتني دَيْنك، وعيالك،
ثم جئت تريد قتلي قال:
أبا وَهْب، جُعِلتُ فداك، جئتك من عند أبرِّ الناس وأوصل الناس،
وقد كان عُمَير قال:
لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، سيد قومي خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر وخاف أن لا تؤمِّنه، فآمنْه فداك أبي وأمِّي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«قد آمنته»
فخرج في أثره فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنك.
[إرساله صلى الله عليه وسلم عمامته إلى صفوان علامة أمنه]
فقال صفوان:
لا والله لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خُذْ عِمامتي» ، فرجع عمير إليه بها وهو البُرد الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ معتجراً به بُرْد حِبرَة.
فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاء بالبُرْد فقال:
أبا وَهْب، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبرِّ الناس، وأحلم الناس. مجده مجدك وعزُّه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك وأُذكِّرُكَ الله في نفسك.
قال له:
أخاف أنْ أُقتل.
قال:
قد دعاك إلى أن تدخل في الإِسلام، فإن يَسرُّكَ، وإلا سيَّرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم وقد بعث إليك ببُرْده الذي دخل به مُعتَجراً، فعرفه.
قال:
نعم.
فأخرجه فقال:
نعم، هو، هو. فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالناس العصر في المسجد، فوقفا.
فقال صفوان:
كم يصلُّون في اليوم والليلة؟
قال:
خمس صلوات.
قال:
يصلِّي بهم محمد؟
قال:
نعم.
فلما سلَّم صاح صفوان:
يا محمد، إنَّ عُمَير بن وَهْب جاءني ببُرْدك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمراً وإلا سيَّرتني شهرين؟
قال:
«إنزل أبا وَهْب»
.
قال:
لا والله حتى تُبيِّن لي.
قال:
«بل لك تسيّر أربعة أشهر»
، فنزل صفوان.
[خروج صفوان معه عليه السلام إلى هوازن وإسلامه]
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل هوازن وخرج؛ معه صفوان وهو كافر، وأرسل إليه يستعيره سلاحَه فأعاره سلاحه مائة درع بأداتها. فقال صفوان طوْعاً أو كَرْهاً؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية رادَّة فأعاره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملها إلى حنين فشهد حنيناً والطائف، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
الجَعرَّانة. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في الغنائم ينظر إليها - ومعه صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية ينظر إلى شِعْب ملاء نَعَماً وشاءً ورِعاء،
فأدام النظر إِليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه فقال:
«أبا وَهْب، يعجبك هذه الشِّعْب؟»
قال: نعم.
قال:
«هُو لك وما فيه»
.
فقال صفوان عند ذلك:
ما طابت نفسُ أحد بمثل هذا إلا نفس نبي؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. وأسلم مكانه. كذا في الكنز. وأخرجه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة رضي الله عنها مختصراً؛ كما في البداية.
وأخرج الإِمام أحد عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدراعاً،
فقال:
أغَصْباً يا محمد؟
قال:
«بل عارية مضمونة»
قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يضمنها له.
قال:
أنا اليوم - يا رسول الله - في الإِسلام أَرْغَبُ. انتهى.
قصة إسلام حُوَيطب بن عبد العزى رضي الله عنه دعوة أبي ذر لحويطب ودخوله في الإِسلام