الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وروى ابن ماجه منه طرفاً:
انتهى.
وأخرجه أيضاً ابن حِبَّان، والحاكم،
وأبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كما في الإِصابة وقال:
ورجال الإِسناد مُوثّقون، وقد صرّح
الوليد فيه بالتحديث، ومداره على محمد بن أبي السَرِي الراوي له عن الوليد. وثَّقه ابن مَعِين، وليَّنه أبو حاتم.
وقال ابن عدي:
محمد كثير الغلط. والله أعلم. ووجدت لقصَّته شاهداً من وجه آخر لكن لم يُسمَّ فيه،
قال ابن سعد:
حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن حازم،
حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهودياً قال:
ما كان بقي شيء من نَعْت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته؛ إِلا الحلم ... فذكر القصة. انتهى. وأخرجه أبو نُعَيم في الدلائل
(ص ٢٣)
.
[قصة صلح الحديبية ذكر ما كان من قرش وصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة البيت]
أخرج البخاري عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان قالا:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحُدَيْبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم
«إنَّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش طَليعة، فخذوا ذات اليمين»
. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثَنِيَّة التي هبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال
الناس:
حَلَّ، حلّ، فألَّحت.
فقالوا:
خلأت القصْواء خلأت القَصْواء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل»
.
ثم قال:
«والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهم إِياها»
ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد قليل الماء ... يتبرضه تبرضاً؛ فلم يُلْبِثْه الناس حتى نزحوه. وشُكيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سَهْماً من كِنَانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله، ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صَدَروا عنه.
خبر بُدَيْل معه عليه السلام
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعي في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عَيْبة نُصْح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تِهامة -
فقال:
إِني تركت كعب بن لؤي، عامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين؛ وإنَّ قريشاً قد نَهَكتهم الحرب وأضرَّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإِلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي
نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذنَّ أمر الله» .
قال بُدَيل:
سأبلغهم ما تقول: فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إِنَّا قد جئناك من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
فقال سفهاؤهم:
لا حجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء.
وقال ذوو الرأي منهم:
هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[خبر عروة بن مسعود معه عليه السلام]
فقام عُروة بن مسعود فقال:
أيْ قوم، ألستم بالولد؟
قالوا:
بلى.
قال:
ألست بالولد؟
قالوا:
بلى.
قال:
فهل تتهموني؟
قالوا:
لا.
قال:
ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عُكَاظ، فلما بلَّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني.
قالوا:
بلى.
قال:
فإنَّ هذا عرض لكم خُطَّة رشدٍ إقبلوها ودعوني آتيه. فقالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلِّم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبُدَيل.
فقال عُروة عند ذلك:
أيْ محمد، أرأيت إن استأصلتَ أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني - والله - لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا وَيَدعُوك.
فقال له أبو بكر رضي الله عنه:
إمصَصْ بَظْر اللات، أنحنُ نفرُّ عنه وندعه؟
قال:
من ذا؟
قال:
أبو بكر.
قال:
أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلِّم النبي صلى الله عليه وسلم فكلَّما تكلم أخذ بلحيته - والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر -
فكلَّما أهوى عُروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال له:
أخِّر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عُروة رأسه فقال: من هذا؟
قالوا:
المغيرة بن شعبة فقال: أيْ غُدَر ألست أسعى في غِدْرتك؟ - كان
المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
«أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء»
- ثم إِنَّ عروة جعل يَرْمُق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه. قال - فوالله - ما تنخَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إِلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإِذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون
إليه
النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال:
أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكاً قط يعظِّمه أصحابه ما يعظِّم أصحاب محمد محمداً. والله إنْ تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذ تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّثون النظر إليه تعظيماً له؛ وإنه قد عرض عليكم خُطة رشد فاقبلوها.
خبر رجل من بني كِنانة معه عليه السلام
فقال رجل من بني كِنانة دعوني آتيه.
فقالوا:
ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«هذا فلان وهو من قوم يعظِّمون البُدْن فابعثوها له»
فبُعثت له واستقبله الناس يُلَبُّون.
فلما رأى ذلك قال:
سبحان الله،
ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال:
رأيت البُدْن قد قُلِّدَت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم - يقال له مِكْرَز بن حفص -
فقال:
دعوني آتيه.
قالوا:
ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«هذا مِكْرَز وهو رجل فاجر»
، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إِذ جاء سهيل بن عمرو.
خبر سُهيل بن عمرو معه عليه السلام وشروط صلح الحديبية
قال مَعْمر:
فأخبرني أيوب عن عِكرمة: أنه لما جاء سُهَيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«لقد سُهّل لكم من أمركم»
.
قال معمر:
قال الزُّهْري في حديثه: فجاء سهيل فقال: هاتِ فاكتب بيننا وبينكم كتاباً. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم»
.
فقال سهيل:
أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟
ولكن أكتب:
باسمك اللهم كما كنت تكتب.
فقال المسلمون:
والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أكتب:
«باسمك اللَّهم»
،
ثم قال:
«هذا ما قاضَى عليه محمد رسول الله»
.
فقال سهيل:
والله لو كنَّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك،
ولكن أكتب:
محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«والله إنِّي لرسول الله وإن كذبتموني،
أكتب:
محمد بن عبد الله»
. -
قال الزُهري:
وذلك لقوله لا يسألوني خطَّة يعظِّمون فيه حرمت الله إلا أعطيتهم إياها -. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم
«على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به»
.
قال سهيل:
والله لا تتحدَّث العرب أنا أُخِذنا ضَغْطة، لكنَّ ذلك من العام المقبل، فكتب.
فقال سهيل:
وعلى أنه لا يأتيك منَّا رجل وإن كان على دينك إلاَّ رددته إلينا.
قال المسلمون:
سبحان الله، كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟.
قصة أبي جَنْدل رضي الله عنه
فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جَنْدل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه يرسُف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين.
فقال سهيل:
هذا يا محمد - أول من أُقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنَّا لم نَقْصِ الكتاب بَعْدُ» .
قال:
فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم فأجزه لي.
قال:
ما أنا بمجيزه لك.
قال:
بلى فافعل.
قال:
ما أنا بفاعل.
قال مِكْرَز:
بلى قد أجزناه لك.
قال أبو جندل:
أي معشر المسلمين، أردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا تَروْن ما قد لقيت - وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله -
فقال عمر:
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله
حقاً قال:
بلى.
قلت:
ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟
قال:
بلى.
قلت:
فلِم نُعطي الدَّنِيّة في ديننا إذن؟
قال:
«إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري»
.
قلت:
أولستَ كنت تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال
«بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟»
قال: قلت: لا.
قال:
«فإنك آتيه ومُطَّوَّفٌ به»
.
قال:
فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقّا؟
قال:
بلى.
قلت:
ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟
قال:
بلى قال قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إِذن؟
قال:
أيُّها الرجل، إِنَّه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغَرْزه، فالله إنَّه على الحق.
قلت:
أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال:
بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
فقلت:
لا.
قال:
فإنك آتيه ومُطَّوَّفٌ به.
قال عمر:
فعملتُ لذلك أعمالاً.
قال:
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
«قوموا فانحروا ثم احلقوا»
.
قال:
فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلمَّا لم يقم منهم أحد دخل على أمِّ سَلَمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس.
فقالت أمُّ سلمة:
يا نبي الله،
أتحبُّ
ذلك؟ أخرج، ثم لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه. فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كان بعضهم يقتل بعضاً غمَّاً.
ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى:
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَآءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْئَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
(الممتحنة: ١٠)
فطلَّق عمر يومئذٍ إمرأتين كانتا له في الشرك، فتزوّج
إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.
[خبر أبي بصير مع الرجلين اللذين أرسلا في طلبه]
ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رضي الله عنه - رجل من قريش وهو مسلم - فأرسلوا في طلبه رجلَين،
فقالوا:
العَهْدَ الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم.
فقال أبو بصير لأحد الرجلين:
والله إنِّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً فاستلّه الآخر فقال: أجل - والله - إنه لجيدٌ، لقد جرّبت به ثم جرّبت.
فقال أبو بصير:
أرني أنظرْ إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه:
«لقد رأى هذا ذُعْراً»
.
فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«قُتل - والله - صاحبي وإني لمقتول،
فجاء أبو بصير فقال:
يا نبي الله قد - والله - أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَر حرب لو كان له أحد»
. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيف البحر.
[لحوق أبي جندل بأبي بصير واعتراضهما لعير قريش]
قال:
وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِير خرجت؛ لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرّحِمِ لمَّا أرسل إِليهم فمن أتاه فهو آمن.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليم فأنزل الله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآء لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً}
(الفتح: ٢٤ - ٢٦)
وكانت حمّيتهم أنَّهم لم يقروا أنَّه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
قال ابن كثير في البداية:
هذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري. انتهى. وأخرجه البيهقي أيضاً بطوله.
[إرساله صلى الله عليه وسلم عثمان إلى مكة بعد النزول بالحديبية]
وأخرج ابن عساكر،
وابن أبي شَيْبة عن عُروة رضي الله عنه في نزول النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية قال:
وفزعت قريش لنزوله عليهم، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليه.
فقال:
يا رسول الله، إنِّي لألعنهم وليس أحد بمكة من بني كعب يغضب لي إِن أُوذيت، فأرسِلْ عثمان فإنَّ عشيرته بها وإِنهُ يُبَلِّغ لك ما أردت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش،
وقال:
«أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عُمَّاراً وأدعهم إلى الإِسلام»
. وأمره أن يأتي رجالاً بمكة من المؤمنين وسناءً مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشِّرهم بالفتح، ويخبرهم أنَّ الله جلَّ ثناؤه يوكش أنْ يُظْهر دنيه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإِيمان تثبيتاً يُثبِّته.
قال:
فانطلق عثمان فمرّ على قريش ببلدح.
فقالت قريش:
أين؟
قال:
بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إِليكم لأدعوَكم إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإِسلام، ونخبرك أنَّا لم نأتِ لقتال أحد وإنما جئنا عُمَّاراً.
فدعاهم عثمان كما أمره صلى الله عليه وسلم فقالوا:
قد سمعنا ما تقول فانفُذْ لحاجتك. وقام إليه أبَانُ بن سعيد بن العاص فرحب به وسْرَج فرسه، فحمل عثمانَ على الفرس فأجاره، وردفه أبَانُ حتى جاء مكة.
ثم إنَّ قريشاً بعثوا بُدَيل بن ورقاء الخزاعي وأخا بني كنانة ثم جاء عروة بن مسعود الثقفي - فذكر الحديث؛ كما في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة من وجه آخر بطوله - عن عروة، كما في كنز العمال أيضاً. وأخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة بنحوه.
[قول عمر في صلح الحديبية]
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً، لو أنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم أمَّر عليَّ أميراً فصنع الذي صنع نبيُّ الله ما سمعت ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أنَّ من لحق من الكفَّار بالمسلمين ردُّوه، ومن لحق بالكفَّار لم يردُّوه.
كذا في كنز العمال وقال:
سنده صحيح.
[قول أبي بكر في صلح الحديبية]
وأخرج ابن عساكر عن الواقدي قال:
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: ما كان فَتْح أعظم في الإِسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذٍ قَصُرَ رأيهم عمَّا كان بين محمد وربه، والعباد يَعْجَلون والله لا يعجل كعجلة العباد حتى يُبلِغ الأمور ما أراد. لقد نظرتُ إلى سُهيل بن عمرو في حِجّة الوداع قائماً عند المنحر يقرِّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نحرا بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه؛ وأنظر إلى سهيل يلتقط من شَعَره وأراه يضعه على عينيه،
وأذكر إِباءه أن يُقرَّ يوم الحديبية بأن يكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم يأبى أن يكتب: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمدت الله الذي هداه للإِسلام. كذا
في كنز العمال.
قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه
أخرج ابن إسحاق عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال:
لم انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني،
فقلت لهم:
تعلمون - والله - إِنِّي أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّاً منكراً، وإنِّي لقد رأيت أمراً فما تَرَون فيه؟
قالوا:
وما رأيت؟
قال:
رأيت أن نَلحَق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنَّا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإِن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير.
قالوا:
إِنَّ هذا لرأي.
قلت:
فاجمعوا لنا ما نهدي له، فكان أحبَّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأَدَمُ، فجمعنا له أدَماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنَّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضَّمْري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إِليه في شأن جعفر وأصحابه.
قال:
فدخل عليه ثم خرج من عنده.
قال:
فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إِياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلتُ رأتْ قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلتُ رسول محمد.
قال:
فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع.
فقال:
مرحباً بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئاً قال: قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدَماً كثيراً. قال ثم قرّبته إليه فأعجبه واشتهاه.
ثم قلت له:
أيها الملك، إنِّي قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدوَ لنا؛ فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.
قال:
فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره؛ فلو انشقَّت الأرض لدخلت فيها فَرَقاً.
ثم قلت:
أيها الملك، والله لو ظننت
أنك تكره هذا ما سألتُكَه.
قال:
أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله؟
قال قلت:
أيها الملك، أكذاك هو؟
قال:
ويحك يا عمرو، أطعني واتَّبعه فإنه - والله - لَعَلى الحقِّ، وليظهرنَّ على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على
فرعون وجنوده.
قال:
قلت: أفتبايعني له على الإِسلام؟
قال:
نعم. فبسط يده فبايعته على الإِسلام. ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إِسلامي. ثم خرجت عامداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد ذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة.
فقلت:
أين يا أبا سليمان؟
فقال:
والله، لقد استقام المِيسَم، وإنَّ الرجل لنبي، إذهب - والله - أسلم فحتى متى؟
قال:
قلت: والله جئت إلا وسلم.
قال:
فقدمنا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقدّم، خالد بن الوليد فأسلم وبايع،
ثم دنوت فقلت:
يا رسول الله، إنِّي أبايعك على أن تغفر لي ما تقدَّم من ذنبي ولا أذكر ما تأخَّر.
قال:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«يا عمرو، بايع فإنَّ الإِسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبله»
.
قال:
فبايعته ثم انصرفت. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً أحمد، والطبراني عن عمرو نحوه - مطوّلاً.
قال الهيثمي:
ورجالها ثقات. انتهى.