صفحة 123الباب الأول باب الدعوة إلى الله وإلى رسوله كيف كانت الدعوةُ إلى الله وإِلى رسوله صلى الله عليه وسلم أحَبَّ إلى النبي عليه السلام وإلى الصحابة رضي الله عنهم من كل شيء وكيف كانوا حريصين على أَن يهتديَ الناس ويدخلوا في دين الله وينْغَمسوا في رحمة الله وكيف كان سعيهم في ذلك لإيصال الخلق إِلى الحق.📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

أخرج الطبراني عن المِسْوَر بن مَخْرمة رضي الله عنه قال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال: «إِنَّ الله بعثني رحمة للناس كافة، فأدُّوا عني

- رحمكم الله - ولا تختلفوا كما اختلف الحواريّون على عيسى عليه السلام، فإنه دعاهم إلى مثل ما أدعوكم إليه. فأما من بَعُدَ مكانة فكرهه، فشكا عيسى بن مريم ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ، فأصبحوا كلُّ رجل منهم يتكلم بكلام القوم الذي وُجِّه إليهم.

فقال لهم عيسى:

هذا أمر قد عزم الله لكم عليه فافعلوا» . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن - يا رسول الله - نؤدي إليك فابعثنا حيث شئت. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حُذَافة رضي الله عنه إلى كسرى، وبعث سَلِيط بن عمرو رضي الله عنه إلى هَوْذَة بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوَى صاحب هَجَر، وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إله جَيْفَر عبَّاد ابني الجُلَنْدي مَلِكي عُمَان، وبعث دِحْيَة الكلبي رضي الله عنه إِلى قيصر، وبعث شُجاع بن وَهْب الأسديّ رضي الله عنه إلى المُنذر بن الحارث بن أبي شِمْر الغسَّاني، وبعث عمرو بن أُمية الضَّمْري رضي الله عنه إلى النجاشي. فرجعوا جميعاً قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير العلاء بن الحضرمي، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو بالبحرين.

قال الهيثمي وفيه:

محمد بن إسماعيل بن عيّاش وهو ضعيف. كذا في المجمع.

قال الحافظ في الفتح -

وزاد صحاب السِّيَر:

أنه بعث المهاجر بن أبي أُمية إلى الحارث بن عبد الكُلال، وجريراً رضي الله عنهما إلى ذي الكَلاع، والسائب رضي الله عنه إلى مُسَيْلَمة، وحاطب بن أبي بَلْتعة رضي الله عنه إلى المُقَوقس - اهـ.

وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى، وقيصر، وإِلى النَّجاشي، وإِلى كلِّ جبَّار عنيد يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه. كذا في البداية.

وأخرجه أحمد،

والطبراني عن جابر رضي الله عنه قال:

كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت إلى كسرى وقيصر وإِلى كلِّ جبار.

قال الهيثمي وفيه:

ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح.

[كتابه صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة]

أخرج البيهقي عن بن إسحاق قال:

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضَّمْري رضي الله عنه إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم، وكتب معه كتاباً.

«بسم الله الرحمن الرحيم.

من محمد رسول الله إِلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة:

سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدّوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيِّبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإِني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والوالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإنِّي رسول الله. وقد بعثت إِليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرَّهم ودَعِ التجبُّر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله عزّ وجلّ؛ وقد بلَّغتُ ونَصحتُ فاقبلوا نصيحتي. والسلام على من اتبع الهدى»

.

كتاب النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

«بسم الله الرحمن الرحيم، إِلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحَم

بن أبجر:

سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إِله إِلا هو الذي هداني إِلى الإِسلام. فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إِنَّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت. وقد عرفنا ما بَعثت به إِلينا؛ وقَرَبنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقاً ومصدِّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت إِليك - يا نبي الله - بأريحاً بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إِلا نفسي، وإِن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق» . كذا في البداية.

[كتابه صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك الروم]

أخرج البزّار عن دِحْيَة الكلبي رضي الله عنه أنه قال:

بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى قيصر، فقدمت عليه فأعطيته الكتاب وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس. فلما قرأ الكتاب كان فيه.

من محمد رسول الله إِلى هرقل صاحب الروم

قال:

فنخر ابن أخيه نخرة وقال: لا يُقرأ هذا اليوم.

فقال له قيصر:

لِمَ؟

قال:

إنّه بدأ بنفسه وكتب

«صاحب الروم»

ولم يكتب

«ملك الروم»

.

فقال قيصر:

لتقرأنَّه. فلما قرأ الكتاب وخرجوا من عنده أدخلني عليه وأرسل إلى الأسقُف - وهو صاحب أمرهم - فأخبروه وأخبره وأقرأه الكتاب.

فقال له الأسقف:

هو الذي كنا ننتظر وبشَّرنا به عيسى عليه السلام.

قال له قيصر:

كيف تأمرني؟

قال له الأسقف:

أمَّا أنا فمصدّقة ومتبعة.

فقال له قيصر:

أمّا أنا إن

فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم خرجنا من عنده،

فأرسل قيصر إِلى أبي سفيان وهو يومئذٍ عنده قال:

حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو؟

قال:

شاب.

قال:

فكيف حَسَبُه فيكم؟

قال:

هو في حسب منا لا يفضل عليه أحد.

قال:

هذه آية النبوة.

قال:

كيف صدقه؟

قال:

ما كذب قط.

قال:

هذه آية النبوة.

قال:

أرأيت من خرح من أصحابكم إليه هل يرجع إليكم؟

قال:

قد قاتله قوم فهزمهم وهزموه.

قال:

هذه آية النبوة.

قال ثم دعاني فقال:

أبلغ صاحبك أني أعلم أنه نبي ولكن لا أترك ملكي.

قال:

وأما الأسقُف فإنَّه كانوا يجتمعون إِليه في كل أحد، يخرج إليهم ويحدِّثهم ويذكِّرهم، فلما كان يوم الأحد لم يخرج إليهم وقعد إلى يوم الأحد الآخر، فكنت أدخل إليه فيكلمني ويسألني. فلما جاء الأحد الآخر إنتظروه ليخرح إليه، فلم يخرج إِليهم واعتلَّ عليهم بالمرض وفعل ذلك مراراً. وبعثوا إليه لتخرجنَّ إلينا أو لندخلنَّ عليك فنقتلك، فإنا قد أنكرناك منذ قدم هذا العربي.

فقال الأسقف:

خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه السلام، وأخبره أنِّي أشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، وأني قد آمنت به، وصدَّقته، واتبعته، وأنهم قد أنكروا عليّ ذلك، فبلِّغه ما ترى. ثم خرج إليهم فقتلوه - فذكر الحديث. قال الهيثمي

(٨٢٣٦ - ٢٣٧)

وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف. انتهى.

وأخرجه أيضاً الطبراني من حديث دِخْية رضي الله عنه مختصراً،

وفيه:

يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني وهو ضعيف كما قال الهيمثي: وهكذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل

(ص ١٢١)

بمعناه مختصراً. وأخرجه أيضاً عبدان بن محمد

المِرْوَزي عن عبد الله بن شدّاد نحوه وأتم منه.

وأخرج عبدان عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال لدحية رضي الله عنه:

ويحك إنِّي - والله - لأعلم أن صاحبك نبيٌّ مرسل وأنه للذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعته؛ فاذهب إِلى ضغاطر الأسقُف فاذكر له أمر صاحبكم فهو أعظم في الروم مني وأجوز قولاً. فجاءه دِحْية فأخبره.

فقال له:

صاحبك - والله - نبي مرسل، نعرفه بصفته واسمه. ثم دخل فألقى ثيابه وليس ثياباً بيضاء، وخرج على الروح فشهد شهادة الحق فوثبوا عليه فقتلوه. وهكذا ذكره يحيى بن سعيد الأموي في المغازي والطبري عن ابن إِسحاق؛ كذا في الإِصابة.

وأخرج عبد الله بن أحمد وأبو يَعْلَى عن سعيد بنت أبي راشد قال:

رأيت التنوخي - رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بحمص وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ الفناء - أو قَرُب -

فقلت:

ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل؟

قال:

بلى. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك وبعث دِحْية الكِلبي إلى هرقل، فلمّا أن جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم غلَق عليه وعليهم الدار.

قال:

نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إليّ يدعوني إلى ثلاث خصال: يدعوني أن أتبعه على دينه، أو أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب لتؤخذنَّ ما تحت قدميّ فهلمَّ نتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا.

فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا:

تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلمَّا ظنَّ أنَّهم إن خرجوا أفسدوا عليه رفاقهم وملكه،

قال:

إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم.

ثم دعا رجلاً من عرب

«تُجيب»

كان على نصارى العرب قال: أُدُع لي رجلاً حافظاً للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه.

فجاءني فدفع إليّ هرقل كتاباً باني فقال:

إذهب بكتابي إلى هذا الرجل،

فما صَغِيتَ من حديثه فاحفظ منه ثلاث خصال:

أنظر هل يذكر صحيفته التي كتب إليّ بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي هل يذكر الليل؟ وانظر في ظهره هل به من شيء يريبك؟ فانطلقتُ بكتابه حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء،

فقلت:

أين صاحبكم؟

قي:

ها هوذا. فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه.

فناولته كتابي فوضعه في حِجْره ثم قال:

«ممَّن أنت؟»

قلت: أنا أحد تنوخ.

فقال:

«هل لك في الحنيفية ملّة أبيكم إبراهيم؟»

قلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم.

قال:

«إنَّك لا تهدي من أحببت ولكنَّ الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين. يا أخا تنوخ إني كتبت بكتابي إلى النجاشي فخرقها والله مُخرِّقهُ ومُخَرِّقُ ملكه. وكتب إلى صاحبكم بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير»

.

قلت:

هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها، وأخذت سهماً من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي.

ثم إنَّه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره فقلت:

من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟

قالوا:

معاوية.

فإذا في كتاب صاحبي:

يدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين. فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«سبحان الله فأين الليل إِذا جاء النهار؟»

فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جلد سيفي.

فلما فرغ من قراءة كتابي قال:

«إنَّ لك حقاً وإنك

لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوَّزناك بها، إنا سَفْر مُرْمِلون» .

قال:

فناداه رجل من طائفة الناس أن أجوزه، ففتح رَحْله، فإذا هو يأتي بحلَّة؟

قيل:

عثمان. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«من ينزل هذا الرجل؟»

فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصاري وقمت معه. فلما خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول

الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«يا أخا تنوخ»

، فأقبلت أهوي حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت فيه بين يديه،

فحلَّ حبوته عن ظهره فقال:

«ها هنا أمضِ لما أُمرت به»

، فجُلْتُ في ظهره، فإذ أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل الحجمة، قال الهيثمي

(٨٢٣٥ - ٢٣٦)

رجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك. انتهى. وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد كما في البداية،

وقال:

هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرّد به الإِمام أحمد. انتهى. وأخرجه أيضاً يعقوب بن سفيان، ما في البداية أيضاً.

[خبر أبي سفيان مع هرقل ملك الروم]

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...