الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
أخرج البخاري
(ص ٥٧٩)
عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أُتي بطعام وكان صائماً،
فقال:
قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفِّن في بردة إن غُطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه -
وأراه قال:
وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -
أو قال:
أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجِّلت لنا. ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية نحوه.
قصة أخرى له في هذا الشأن
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نوفل بن إِياس الهُذَلي قال:
كان عبد الرحمن رضي الله عنه لنا جليساً - وكان نعم الجليس -، وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا، وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وُضعت بكى عبد الرحمن بن عوف،
فقلنا له:
يا أبا محمد ما يبكيك؟
قال:
هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير؛ ولا أُرانا أُخِّرنا لها لما هو خير منها. وأخرجه الترمذي والسّراج عن نوفل نحوه، كما في الإِصابة.
سؤاله لأم سَلَمة على بسط المال وجوابها له
وأخرج البزار عن أم سَلَمة رضي الله عنها أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه دخل عليها فقال:
يا أمّه، قد خفت أن يهلكني مالي، أنا أكثر قريش مالاً؛
قالت:
يا بني فأنفق؛
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفرقه»
، فخرج عبد الرحمن بن عوف فلقي عمر رضي الله عنه فأخبره بالذي قالت أم سَلَمة،
فدخل عليها عمر فقال:
بالله منهم أنا؟
فقالت:
لا، ولا أُبرِّىء أحداً بعدك. قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
خوف خبّاب بن الأرت رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا قصة خوفه وقد عاده بعض الصحابة
أخرج أبو يَعْلى،
والطبراني بإسناد جيد عن يحيى بن جَعْدة قال:
عاد خبّاباً رضي الله عنه ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، ترد على محمد صلى الله عليه وسلم الحوض،
فقال:
كيف بهذا؟ وأشار إلى أعلى البيت وأسفله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«إنَّما يكفي أحدكم كزاد الراكب»
، كذا في الترغيب.
قصته رضي الله عنه في ذلك عند وفاته
وعند أبي نُعيم في الحلية عن طارق بن شهاب قال:
عاد خبّاباً نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تَقْدَم عليهم غداً،
قال:
فبكى وقال: أمَا إنَّه ليس بي جزع، ولكنكم ذكَّرتموني أقواماً وسميتم لي إِخواناً، وإن أولئك قد مَضَوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم. وأخرجه ابن سعد عن طارق بنحوه.
وعند أبي نعيم في الحلية عن حارثة بن مُضَرِّب قال:
دخلنا على خبّاب وقد اكتوى في بطنه سبع كيات،
فقال:
لولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يتمنينَّ أحدكم الموت»
لتمنيتُه،
فقال بعضهم:
أذكر صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والقدوم عليه،
فقال:
قد خشيت أن يبقى ما عندي القدوم عليه. هذه أربعون ألفاً
دراهم في البيت.
وأخرج من طريق آخر عن حارثة نحوه مختصراً وزاد:
ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك درهماً وإنَّ في جانب بيتي لأربعين ألف درهم قال: ثم أُتي بكفنه فلما رآه بكى فقال: لكنَّ حمزةَ لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذ جُعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مُدَّت على رأسه وجعل على قدميه الإِذخر؛ وأخرجه ابن سعد عن حارثة بنحوه.
وعند أبي نعيم في الحلية عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال:
دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم، والله، ما شددت لها من خيط لا منعتها من سائل،
ثم بكى فقلنا:
ما يبكيك؟
قال:
أبكى أنَّ أصحابي مَضَوا ولم تَنقصهم الدنيا شيئاً، وإِنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعاً إلا التراب.
قال أبو نُعيم:
رواه أبو أسامة عن إدريس قال: ولوددتُ أنه كذا وكذا كما قال بَعْراً أو غيره.
وعند أبي نعيم أيضاً من حديث قيس ثم قال:
إنّه قد مضى قبلنا أقوام لم ينالوا من الدنيا شيئاً، وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لا يدري أحدنا في أيِّ شيء يضعه إلا في التراب، وإنَّ المسلم يُؤجر في كل شيء أنفقه إلا فيما أنفق في التراب.
[حديث البخاري في خوف خباب]
وعند البخاري عن خباب قال:
هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله،
فوجب أجرنا على الله؛ فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد لم يترك إِلا نَمرة، كنا إذا غطَّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطِّي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم
«غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإِذْخِر»
. ومنا من ينعت له ثمرته فهو يَهدبُها. وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة بمثله كما في الكنز.
خوف سلمان الفارسي رضي الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا قصته مع رجل من بني عبس في ذلك
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي البَخْتري عن رجل من بني عبس قال:
صحبت سلمان رضي الله عنه فذكر ما فتح الله تعالى على المسلمين من كنوز كسرى،
فقال:
إنَّ الذي أعطاكموه وفتحه لكم وخوَّلكم لممسك خزائنه ومحمد صلى الله عليه وسلم حيّ، ولقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مدٌّ من طعام، ثم ذاك يا أخا بني عبس.
ثم مررنا ببيادر تُذرى فقال:
إنَّ الذي أعطاكموه وخوَّلكم وفتحه لكم لممسك خزائنه ومحمد صلى الله عليه وسلم حيٌّ، لقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام، ثم ذاك يا أخا بني عبس.
وعند الطبراني عن رجل من بني عبس قال:
كنت أسير مع سلمان
رضي الله عنه على شط دجلة،
فقال:
يا أخا بني عبس إنزل فاشرب،
فشربت فقال:
ما نقص شرابك من دجلة؟
قلت:
ما عسى أن ينقص،
قال:
فإنَّ العلم كذلك يؤخذ منه ولا ينقص،
ثم قال:
إركب، فمررنا بأكداس من حنطة وشعير،
فقال:
أفترى هذا فُتح لنا وقتر على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لخير لنا وشر لهم؟
قلت:
لا أدري،
(قال)
ولكني أدري شر لنا وخير لهم.
قال:
ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى لحق بالله عزّ وجلّ.
قال الهيثمي:
وفيه راوٍ لم يُسمَّ وبقية رجاله وُثِّقوا.
[عيادة سعد بن أبي وقاص لسلمان وما وقع بينهما]
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سفيان عن أشياخه أنَّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دخل على سلمان رضي الله عنه يعوده، فبكى سلمان،
فقال له سعد:
ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحوض،
وتُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ فقال:
ما أبكى جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا؛
ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فقال:
«ليكن بُلْغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب»
، وهذه الأساود حولي - وإنما حوله مِطْهرة أو إِنجانة ونحوها -
فقال له سعد:
أعهد إلينا عهداً نأخذ به بعدك،
فقال له:
أذكر ربَّك عند همَّك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت؛ وأخرجه الحاكم وصحَّحه كما في الترغيب وابن سعد عن أبي سفيان عن
أشياخه نحوه،
وفي رواية الحاكم:
وإنما حوله إجَّانة وجَفْنة ومِطْهَرة. وأخرجه ابن الأعرابي عن أبي سفيان عن أشياخه مختصراً، كما في الكنز.
وعند ابن ماجه ورواته ثقات عن أنس قال:
إشتكى سلمان رضي الله عنه فعاده سعد رضي الله عنه،
فرآه يبكي فقال له سعد:
ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس؟
قال سلمان:
ما أبكي وحدة من إثنين، ما أبكي ضناً على الدنيا، ولا كراهية الآخرة؛ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهداً ما أُراني إلا قد تعدَّيت،
قال:
وما عهد إليك؟
قال:
عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الركب، ولا أُراني إِلا قد تعدَّيت، وأما أنت يا سعد، فاتَّق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همِّك إِذا هممت.
قال ثابت:
فبلغني أنه ما ترك إِلا بضعة وعشرين درهماً مع نُفَيقة كانت عنده. كذا في الترغيب.
[سبب جزع سلمان رضي الله عنه عند الموت]
وعند ابن حِبَّان في صحيحه عن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير رضي الله عنه حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزعِ،
فقالوا:
ما يجزعك يا أبا عبد الله؟ وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازي حسنة وفتوحاً عظاماً،
قال:
يجزعني أنَّ حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين فارقنا عهد إِلينا قال:
«ليَكْفِ المرءَ منكم كزادِ الراكب، فهذا الذي أجزعني»
. فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر درهماً. كذا في الترغيب. وأخرجه ابن عساكر عن
عمر مثله،
كما في الكنز إِلا أنه وقع عنده:
خمسة عشر ديناراً، وهكذا ذُكر في الكنز عن ابن حِبَّان. وهكذا رواه أبو نُعَيم في الحلية عن عمر بن عبد الله في هذا الحديث،
ثم قال:
كذا قال عامر بن عبد الله: ديناراً، واتفق الباقون على بضعة عشر درهماً،
ثم أخرج عن علي بن بذيمة قال:
بيع متاع سلمان فبلغ أربعة عشر درهماً. وهكذا أخرجه الطبراني عن علي،
قال في الترغيب:
وإسناده جيد إِلا أنَّ علياً لم يدرك سلمان.
خوف أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة القرشي رضي الله عنه قصته مع معاوية رضي الله عنهما عند الموت