صفحة 854الباب الثامن باب إنفاق الصحابة في سبيل الله كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ينفقون الأموال وما أعطاهم الله تبارك وتعالى في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

وأخرج البزار عن ابن عمر - رضي الله عنهما -

قال:

حضرتني هذه الآية:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}

فذكرت ما أعطاني الله عزّ وجلّ فلم أجد شيئاً أحبّ إليَّ من مرجانة - جارية لي رومية -

فقال:

هي حرّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها.

قال الهيثمي:

رواه البزّار وفيه من لم أعرفه اهـ.

وأخرجه الحاكم وزاد:

فأنكحها نافعاً فهي أم ولده. وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد وغيره.

حديث نافع في إِنفاق ابن عمر

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نافع قال:

كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إِذا اشتد عجبه بشيء من ماله قرَّبه لربه عزّ وجلّ.

قال نافع:

وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما شمَّر أحدهم فيلزم المسجد، فإذا رآه ابن عمر رضي الله عنهما على تلك الحالة الحسنة أعتقه.

فيقول له أصحابه:

يا أبا عبد الرحمن - والله -

ما بهم إلا أن يخدعوك فيقول ابن عمر:

فمن خدعنا بالله عزّ وجلّ إنخدعنا له.

قال نافع:

فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له قد أخذه بمال عظيم، فلما أعجبه سيره أناخه مكانه ثم نزل عنه.

فقال:

يا نافع إنزعوا زمامه ورَحْله، وجلِّلوه وأشعروه وأدخلوه في البُدْن.

وفي رواية أخرى عنده أيضاً عن نافع قال:

بينا هو يسير على ناقته - يعني ابن عمر -

إذا أعجبته فقال:

إخ إخ،

فأناخها ثم قال:

يا نافع، حُطَّ عنه الرَّحْل، فكنت أرى أنه لشيء يريده أو لشيء رابه منها، فحططت الرحل،

فقال لي:

أنظر هل ترى عليها مثل رأسها؟

فقلت:

أنشدك إِنك إن شئت بعتها واشتريت بثمنها.

قال:

فجلَّله وقلّدها وجعلها في بُدْنه، ما أعجبه من ماله شيء قط إلا قدمه.

وعنده أيضاً عن نافع عن ابن عمر:

أنه كان لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله عزّ وجلّ.

قال:

وكان ربما تصدَّق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً - قال وأعطاه ابن عامر مرتين ثلاثين ألفاً،

فقال:

يا نافع إِني أخاف أن تفتنني دارهم ابن عامر، إذهب فأنت حر. وكان لا يد من اللحم شهراً إلا مسافراً أو في رمضان.

قال:

وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مُزعة لحم

وأخرجه الطبراني مختصراً، كذا في المجمع. وأخرجه ابن سعد عن نافع مختصراً.

قصة ابن عمر لما نزل الجحفة

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نزل الجحفة وهو شاك.

فقال:

إني لأشتهي حيتاناً، فالتمسوا له فلم يجدوا

(له)

إلا حوتاً واحداً، فأخذته إمرأته صفية بنت أبي عبيد فصنعته ثم قربته إليه،

فأتى مسكين حتى وقف عليه فقال له ابن عمر:

خذه.

فقال أهله:

سبحان الله، قد عنَّيتنا ومعنا زاد نعطيه؟

فقال:

إنَّ عبد الله يحبّه.

وأخرجه أيضاً من طريق عمر بن سعد بنحوه وفيه:

قالت إمرأته: نعطيه درهماً فهو أنفع له من هذا، واقضِ أنت شهوتك منه.

فقال:

شهوتي ما أُريد. وأخرجه أيضاً من طريق نافع. وأخرجه ابن سعد عن حبيب بن

(أبي)

مرزوق مع زيادة بمعناه.

تصدّق أبي طلحة بعين بيرحاء

وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال:

كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها

طيِّب.

قال أنس:

فلما نزلت هذه الآية:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}

قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله،

إنَّ الله تبارك وتعالى يقول:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}

وإِنَّ أحبّ أموالي إليَّ بيرحاء وإِنَّها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله.

قال:

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«بخٍ ذلك مال رابح لك مال رابح»

كذا في الترغيب وزاد في صحيح البخاري بعده:

«وقد سمعتُ ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»

.

فقال أبو طلحة:

أفعلُ يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقربه وبني عمه.

تصدّق زيد بن حارثة بفرس له

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر،

وابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال:

لما نزلت هذه الآية:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}

جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه بفرس له يقال لها شِبلة لم يكن له مال أحبّ إليه منها،

فقال:

هي صدقة، فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل عليها إبنة أسامة رضي الله عنه،

فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال:

«إِن الله قد قبلها منك»

، وأخرجه ابن جرير عن عمرو بن دينار مثله، وعبد الرزاق، وابن جرير عن أيوب بمعناه، كما في الدر المنثور.

قول أبي ذر:

إِن في المال ثلاثة شركاء

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي ذر - رضي الله عنه -

أنه قال:

في

المال ثلاثة شركاء:

القَدَر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم.

فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونَّن فإنَّ الله عزّ وجلّ يقول:

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}

ألا وإن هذا الجل مما كنت أحبّ من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي.

الإِنفاق مع الحاجة قصة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر

أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:

جاءت إمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة -

قال سهل:

هي شَمْلة منسوجة فيها حاشيتها -

فقالت:

يا رسول الله جئتك أكسوك هذه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان محتاجاً إليها فلبسها،

فرآها عليه رجل من أصحابه فقال:

يا رسول الله ما أحسن هذه أكسُنيها،

فقال:

«نعم»

فلما

(قام)

رسول الله صلى الله عليه وسلم لامَهُ أصحابه،

وقالوا:

ما أحسنت حين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها،

وقد عرفتَ أنه لا يُسأل شيئاً فيمنعه قال:

والله ما حملني على ذلك إلا رجوت بركتها حين لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلِّي أُكفَّن فيها.

وعند ابن جرير أيضاً عن سهل رضي الله عنه قال:

حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حخلّة أنمار صوف سوداء، فجُعل حاشيتها بيضاء، فخرج فيها إلى أصحابه فضرب بيده على فخذه،

فقال:

«ألا ترون إلى هذه ما أحسنها»

فقال أعرابي:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله هبها لي -

وكانت لا يُسأل شيئاً أبداً فيقول:

لا -

فقال:

«نعم»

فأعطاه الجبة ودعا بمعْوَزين له فلبسها، وأمر بمثلها فحيكت له؛ فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في المحاكة. كذا في كنز العمال.

قصة أبي عقيل رضي الله عنه

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...