الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج أحمد، والحاكم، ومنصور بن شعبة البغدادي في الأربعين -
وقال:
حسن المتن غريب الإِسناد -
عن يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه قال:
أبو بكر رضي الله عنه لمَّا بعثني إلى الشام:
«يا يزيد، إِنّ لك قرابة عسيتَ تؤثرهم بالإِمارة، وذلك أكبر ما أخاف عليك،
فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«من وُلِّي من أمور المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاباة له بغير حق فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً حتى يدخله
جهنَّم. ومن أعطى أحداً من مال أيه محاباة له فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله» . إِنَّ الله دعا الناس إِلى أن يؤمنوا بالله فيكونوا حمى الله، فمن انتهك في حمى الله شيئاً بغير حقَ فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله عزّ وجلّ» .
قال ابن كثير:
ليس هذا الحديث في شيء نالكتب الستة، وكأنهم أعرضوا عنه لجهالة شيخ لقيه،
قال:
والذي يقع في القلب صحّة هذا الحديث؛ فإنَّ الصدِّيق رضي الله عنه كذلك فعل، ولّى على المسلمين خيرهم بعده. كذا في كنز العمال.
وقال الهيثمي:
رواه أحمد، وفيه رجل لم يُسمَّ. انتهى.
وصايا عمر رضي الله عنه وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولي الأمر من بعده
أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عُبَيد في الأموال، أبو يَعْلى،
والنِّسائي، وابن حِبّان،
والبيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
«أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعلم لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإِيمان من قبلهم؛ أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدْء الإِسلام، وجُباة الأموال، وغَيْظ العدو، وأن يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام؛ أن يأخذ من حواشي أموالهم فيرد على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفهم إلا طاقتهم»
.
كذا في المنتخب.
وأخرج ابن سعد،
وابن عساكر عن القاسم بن محمد قال:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«ليَعْلم من وُلِّيَ هذا الأمر من بعدي أنْ سَيريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمتُ أنَّ أحداً من الناس أقوى عليه مني لكنت أُقدَّمُ فتُضربُ عنقي أَحبُّ إليَّ من أن أَليَه»
.
كذا في الكنز.
وصية عمر بن الخطاب لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما
أخرج ابن جرير عن صالح بن كَيسان قال:
كان أولُ كتاب كتبه عمر
حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند خالد رضي الله عنهم:
«أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد ابن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدِّم المسلمين إلى هَلَكَة رجاءَ غنيمة، ولا تُنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمِّض بصرك عن الدنيا وإلْهِ قلبك عنها، وإياك أن تهلِكَك كما أهلكتْ من كان قبلك، فقد رأيت مصارعَهم»
.
وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما
أخرج ابن جرير من طريق سيف عن محمد، وطلحة بإسنادهما أن عمر أرسل إلى سعد - رضي الله عنهما - فقد عليه،
فأمَّره على حرب العراق وأوصاه فقال:
«يا سعدُ سعد بني وُهَيْب، لا يغرنَّك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله، فإن الله عزّ وجلّ لا يمحو السيء بالسيء، ولكنه يمحو السيء بالحسن، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفُهم ووضيعهم في ذات الله سواءٌ، الله ربُّهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيتَ النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا، فالزمه فإنَّه الأمر. هذه عظتي إياك إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِط عملك وكنت من الخاسرين»
.
ولما أراد أن يسرِّحه دعاه فقال:
«إن قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي، فإنك تَقْدَم على أمر شديد كريه لا يخلِّص منه إلا الحقُّ، فعوِّد نفسك ومن معك الخير، واستفتح به، وعلم أنَّ لكل عادة عتاداً، فعتاد الخير الصبر، فالصبرَ الصبرَ على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله،
واعلم أنَّ خشية الله تجتمع في أمرين:
في طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاءً، منها السر، ومنها العلانية. فأما العلانية فأن يكون حامدُه وذامُّه في الحق سواء، وأما السر فيُعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس، فلا تزهد في التحبُّب فإنّ النبيين قد سألوا محبّتهم، وإِنَّ الله إذا أحب عبداً حبَّبه، وإذا أبغض عبداً بغَّضه؛ فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممَّن يشرع معك في أمرك»
.
وصية عمر بن الخطاب لعتبة بن غزوان رضي الله عنهما
أخرج ابن جرير عن عبد الملك بن عمير قال:
إنَّ عمر قال لعتبة بن غزوان رضي الله عنهما إذ وجَّهه إلى البصرة:
«يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند وهي حَوْمة من حَوْمة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرْفَجَةَ بن هَرْثَمة وهو ذو مجاهدة العدو ومكايدته؛ فإذا قدم عليك فاستشره وقرِّبه، وادعُ إِلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبَى فالجزية عن صَغار وذلَّة، وإلا فالسيف في غير هوادة. واتق الله فيما وُلِّيت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كِبْر يفسد عليك آخرتك، وقد صحبتَ رسول
الله صلى الله عليه وسلم فعززتَ به بعد الذلَّة، وقويتَ به بعد الضعف حتى صرت أميراً مُسَلَّطاً، وَمَلِكاً مُطاعاً، تقول فيُسمع منك، فيُطاع أمرُك، فيا لها نعمةٌ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على من دونك، إحتفظ من النعمة إحتفاظك من المعصية، ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك. إِنَّ الناس أسرعوا إلى الله حين رُفعت لم الدنيا فأرادوها، فأرِد الله ولا تُرِد الدنيا، واتَّق مصارع الظالمين» .
ورواه علي بن محمد المدائني أيضاً مثله كما في البداية.
[وصية عمر بن الخطاب للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنهما]
أخرج بن سعد عن الشَّعْبي قال:
كتب عمر بن الخطاب إلى العلاء بن الحضرمي رضي الله عنهما وهو بالبحرين أن:
«سِرْ إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأوَّلين الذين قد سبقت لهم ن الله الحسنى؛ لم أعزله ألا يكون عفيفاً صليباً، شديد البأس؛ ولكنني ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه، فاعرف له حقَّه؛ وقد ولَّيت قبلك رجلاً فمات قبل أن يصل، فإني رد الله تعالى أن تلي وُلِّيت، وإن يرد أن يلي عتبة، فالخلق والأمر لله رب العالمين. واعلم أن أمر الله محفوظ بحفظه الذي أنزله، فانظر الذي خلقت له، فاكدَحْ له ودَعْ ما سواه فإنَّ الدنيا أمد، والآخرة أبد، فلا يشغلنَّك شيء مدبر خيره عن شيء باقٍ شره، واهرب إلى الله من سخطه، فإنَّ الله يجمع لمن يشاء الفضيلة في حكمه وعلمه. نسأل الله لنا ولك العون على طاعته والنجاة من عذابه»
.
[وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما]
أخرج الدينوري عن ضبَّة بن مِحْصَن قال:
كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما:
«أما بعد: فإنَّ للناس نفرة من سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك، فأقم الحدود ولو ساعة من النهار، وإذا حضر أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله، فإنَّ الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخفِ الفُسَّاق، واجعلهم يداً يداً ورجلا رجلاً، عُدْ مريض المسلمين، واحضر جنائزهم، وافتح بابك، وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أنَّ الله جعلك أثقلهم حملاً. وقد بلغني أنه نشأ لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك، ومطعمك، ومركبك ليس للمسلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرَّت بوادٍ خِصْب فلم يكن لها هم إِلا التسَمُّن، وإنما حَتْفها في السِمَن. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقَى الناس من شَقِيت به رعيته»
.
كذا في الكنز. وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في الحِلْية عن سعيد بن أبي بردة مختصراً كما في الكنز.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحَّاك قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما:
«أما بعد: فإنَّ القوة في العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال فلا تدرون أيُّها تأخذون فأضعتم؛ فإن خُيِّرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، فاختاروا أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإنَّ الدنيا تفنى والآخرة تبقى. كونوا من الله على وَجَل، وتعلَّموا كتاب الله فإنه ينابيع العلوم، وربيع القلوب»
.
وصية عثمان ذي النورين رضي الله عنه
أخرح الفضائلي الرازي عن العلاء بن الفضل عن أمه قال:
لما قُتل عثمان رضي الله عنه فتَّشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً،
ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوب فيها:
g
«هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم. عثمان بن عفان يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حق، وأنَّ الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيي، وعليها يموت وعليها يُبعث إن شاء الله»
.
وأخرجه أيضاً نظام المُلْك وزاد:
ووجدوا في ظهرها مكتوباً:
غنى النفس يُغني النفس حتى يُجلَّها
وإِن غضَّها حتى يَضُرَّ بها الفقرُ
وما عُسرة فاصبر لها إِن لقيتها
بكائنة إِلا سيتبعها يُسْرُ
ومن لم يقاسِ الدهر لم يعرف الأسَى
وفي غَيَر الأيام ما وعد الدهرُ
ذكر ما وقع بين علي وعثمان رضي الله عنهما يوم الدار
وأخرج أبو أحمد عن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال:
لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله عنه يوم الدار أشرف على الناس فقال: يا عباد الله،
قال:
فرأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه خارجاً من منزله، معتماً بعمامة رسول الله، متقلداً سيفه، أمامه الحسن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرقوهم.
ثم دخلوا على عثمان رضي الله عنه فقال له عليٌّ رضي الله عنه:
السلام عليك يا أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَلْحَق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني - والله - لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا فلنقاتل.
فقال عثمان رضي الله عنه:
«أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً، وأقر أنَّ لي عليه حقاً؛ أن يُهريق في سببي ملء حجمة من دم، أو يهريق دمه فيَّ»
.
فأعاد عليٌّ رضي الله عنه عليه القول. فأجابه بمثل ما أجابه.
قال:
فرأيت علياً خارجاً من الباب وهو يقول: اللهمَّ إِنَّك تعلم أنا بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة.
فقالوا له:
يا أبا الحسن، تقدَّم فصلِّ بالناس.
فقال:
لا أصلِّي بكم والإِمام محصور، ولكن أصلِّي وحدي، فصلّى وحده وانصرف إلى منزله،
فلحقه إبنه وقال:
والله يا أبت قد اقتحموا عليه الدار.
قال:
إنا لله وإنا إليه راجعون، هم والله قاتلوه.
قالو:
أين هو يا أبا الحسن؟
قال:
في الجنة - والله - زلفى.
قالوا:
وأين هم يا أبا الحسن؟
قال:
في النار والله - ثلاثاً -. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
حديث أبي سَلَمة بن عبد الرحمن في ذلك
وأخرح أبو أحمد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال:
دخل أبو قَتادة ورجل آخر على عثمان - رضي الله عنهم - وهو محصور، فاستأذناه في الحج فأذن لهم.
فقالا له:
إن غلب هؤلاء القوم مع من نكون؟
قال:
عليكم بالجماعة.
قال:
فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك مع من نكون؟
قال:
فالجماعة حيث كانت، فخرجنا فاستقبلنا الحسن بن علي رضي الله عنهما عند باب الدار داخلاً على عثمان رضي الله عنه،
فرجعنا معه لنسمع ما يقول:
فسلَّم على عثمان ثم قال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت،
فقال عثمان:
«يا ابن أخي، إرجع واجلس حتى يأتي الله بأمره»
.
فخرج وخرجنا عنه، فاستقبلنا ابن عمر رضي الله عنهما داخلاً إلى عثمان رضي الله عنه، فرجعنا معه نسمع ما يقول،
فسلَّم على عثمان رضي الله عنه ثم قال:
يا أمير المؤمنين، صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ أبا بكر رضي الله عنه فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ عمر رضي الله عنه فسمعتُ وأطعتُ ورأيتُ له حقَّ الوالد وحقَّ الخلافة، وها أنا طوع يديك يا، فمرني بما شئت،
فقال عثمان رضي الله عنه:
«جزاكم الله يا آل عمر خيراً - مرتين - لا حاجة لي في إِراقة الدم.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ذلك
وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
إِني لمحصور مع عثمان رضي الله عنه في الدار.
قال:
فرُمِيَ رجل منَّا،
فقلت:
يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب، قتلوا منا رجلاً.
قال:
«عزمتُ عليك يا أبا هريرة إِلا رميتَ سيفك، فإنما تُراد نفسي وسَأقِي المؤمنين بنفسي» .
قال أبو هريرة رضي الله عنه:
فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى
الساعة. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وصايا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأمرائه كتابه رضي الله عنه لبعض عماله
أخرج الدِينَوَري،
وابن عساكر عن معاجر العارمي قال:
كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عهداً لبعض أصحابه على بلد فيه:
«أما بعد:
فلا تُطوِّلن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شُعْبة عن الضِّيق، وقلّة علم من الأمور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيُصغَّر عندهم الكبير، ويعظَّم الصغير، ويُقبَّح الحسن، ويحسَّن القبيح، ويُشاب الحق بالباطل؛ وإِنما الولي بعشَرٌ لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على القول سمات يعرف بها صروفُ الصدق من الكذب، فيحصن من الإِدخال في حقوق بلين الحجاب.
فإنا أنت أحد رجلين:
إِما أمرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق فتقيم إحتجابك من حق تعطيه أو خلق كريم تسْديه، وإِما مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عنك وعن مسائلتك إذا يئسوا عن ذلك؛ مع أن أكثر حاجات الناس إليك لا مؤنة
فيه عليك من مشكاة مظلمة أو طلب إنصاف. فانتفع بما وصفت، واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله» .
كذا في منتخب الكنز.
كتابه أيضاً رضي الله عنه لبعض عماله
وأخرج الدينوري،
وابن عساكر عن المدائني قال:
كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض عماله:
«رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعُرضتْ عليك أعمالك بالمحلِّ الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيِّع التوبة، والظالم الرجعة»
.
كذا في منتخب الكنز.
وصيته رضي الله عنه لعامل عكبرا
وأخرج ابن زنجويه عن رجل من ثقيف قال:
إستعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عُكْبَرا،
فقال لي وأهل الأرض عندي:
«إنَّ أهل السواد قوم خُدَّع فلا يخدعنَّك، فاستوفِ ما عليهم»
.
ثم قال لي:
رُحْ إليّ.
فلما رجعت إليه قال لي:
«إنما قلت لك الذي قلت وسمعهم، لا تضربنَّ رجلاً منهم بسَوْط في طلب درهم، ولا تُقِمْه قائماً، ولا تأخذنَّ منهم شاة ولا بقرة، إنما أُمرنا أن نأخذ منهم العفْوَ، أتدري ما العفو؟ الطاقة»
.
كذا في الكنز.
وأخرجه البيهقي أيضاً،
وفي حديثه:
ولا تبيعنَّ لهم رزقاً ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها، ولا تُقِم رجلاً قائماً في طلب درهم.
قال:
قتل: يا، إذاً أرجع إليك كما ذهبت من عندك؟
قال:
وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو - يعني الفَضْل -.
نصيحة الرعية الإِمام نصيحة سعيد بن عامر لأمير المؤمنين عمر
أخرج ابن سعد،
وابن عساكر عن مكحول أنَّ سعيد بن عامر بن جِذْيم الجُمحي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:
إِني أريد أن أوصيك يا عمر،
قال:
أجل فأوصني،
قال:
«أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشَ الناس في الله، ولا يختلف قولك وفعلك، فإن خير القول ما صدَّقه الفعل، لا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحق، وخُذْ بالأمر ذي الحجة تأخذ بالفَلْج، ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك، وأقم وجهك وقضاءك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحبّ لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخُضْ الغمراتِ إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم»
.
فقال عمر:
من يستطيع ذلك؟
فقال سعيد:
مثلك، من ولاه الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم لم يحل بينه وبين الله أحد. كذا في منتخب الكنز.
حديث عبد الله بن بريدة في هذا الأمر
وأخرج ابن راهَوَيْه، والحارث، ومسدَّد، وأبو يعلى - وصحّح -
عن عبد الله بن بريدة أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس لقدوم الوفد فقال لازنة بن أرقم:
أنظر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأذن لهم أول الناس، ثم القَرَن الذين يلونهم. فدخلوا فصُفُّوا قدَّامه فنظر، فإذا رجل ضخم عليه مُقَطَّعة برود، فأومأ إِليه عمر رضي الله عنه فأتاه.
فقال عمر:
إيهِ - ثلاث مرات -
فقال الرجل:
إِيهِ - ثلاث مرات -
فقال عمر:
أفّ، قُمّ، فقام فنظر فإذا الأشعري - رجل أبيض، خفيف الجسم، قصير ثَبْط - فأومأ إليه فأتاه فقال عمر؛ إِيه،
فقال الأشعري:
إِيهِ،
قال عمر:
إِيهِ،
فقال:
يا أمير المؤمنين إفتح حديثاً فنحدثك.
فقال عمر:
أفّ، قم، فإنه لن ينفعك راعي ضأن. فنظر فإذا رجل أبيض، خفيف الجسم، فأومأ إليه فأتاه،
فقال عمر:
إِيهِ، فوثب فحمد الله، وأثنى عليه،
ووعظ بالله ثم قال:
«إنكَ وَلِيت أمر هذه الأمة، فاتَّق الله فيما وَلِيت من أمر هذه الأمة وأهل رعيتك في نفسك خاصّة، فإنك محاسب ومسؤول، وإِنما أنت أمين، وعليك أن تؤدِّي ما عليك من الأمانة فتعطى أجرك على قدر عملك»
.
فقال:
ما صدقني رجل منذ استخلفت غيرك. من أنت؟
قال:
أنا ربيع
بن زياد.
فقال:
أخو المهاجر بن زياد؟
قال:
نعم. فجهَّز عمر جيشاً واستعمل عليه الأشعري،
ثم قال:
أنظر ربيع بن زياد فإن يَكُ صادقاً فيما قال فإنَّ عنده عوناً على هذا الأمر فاستعمله، ثم لا يأتين عليكم عَشَرَة إلا تعاهدت منه عمله، وكتبت إِليّ بسيرته في عمله حتى كأني أنا الذي استعملته،
ثم قال عمر:
عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم فقال:
«إِنَّ أخوف ما أخشى عليكم بعدي منافق عليم اللسان»
.
كذا في كنز العمال.
[كتاب أبي عبيدة ومعاذ إلى عمر وكتابه إليهما]
وأخرح أبو نعيم في الحلية عن محمد بن سُوقة قال:
أتيت نُعيم بن أبي هند فأخرج إليّ صحيفة فإذا فيها:
من أبي عبيدة بن الجراح،
ومعاذ بن جبل إِلى عمر بن الخطاب:
سلام عليك،
أما بعد:
فإن عهدناك وأمر نفسك لك مهمٌّ، فأصبحت قد وُليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، العدو والصديق، ولكل حصتُه من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر. فإنا نحذِّرك يوماً تَعْنا فيه الوجوه، وتجفّ فيه القلب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له، يرجون رحمته، ويخافون عقابه. وإِنّا نُحدَّث أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إِلى أن يكونوا إِخوان العلانية، أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إِليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنما كتبنا به نصيحة لك، والسلام عليك» .
فكتب إِليهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
«من عمر بن الخطاب إِلى أبي عبيدة، ومعاذ، سلام عليكما.
أما بعد:
أتاني كتابما، تَذْكران أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مهم، فأصبحت قد وُلِّيت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديَّ الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل؛
كتبتما:
فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر. وإنَّه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا بالله عزّ وجلّ. وكتبتما تحذِّراني ما حُذِّرت منه الأمم قبلنا، وقديماً كان إختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقرِّبان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار.
كتبتما تحذراني:
أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إِخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض لصلاح دنياهم. كتبتما تعوذاني بالله أن أُنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما؛ وإنكما كتبتما به نصيحة لي وقد صدَقتُما، فلا تَدَعا الكتاب إِليَّ فإنه لا غنى بي عنكما، والسلام عليكما»
.
وصية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وصيته رضي الله عنه للمسلمين عند وفاته بالأردن
عن سعيد بن المسيِّب قال:
لما طُعِن أبو عبيدة رضي الله عنه بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال:
«إنِّي موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدَّقوا، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تَغَشوهم؛ ولا تلهكمم الدنيا، فإنَّ أمرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، فأكْيَسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده. والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ بن جبل صلِّ بالناس»
.
ومات رحمه الله.
فقام معاذ رضي الله عنه في الناس فقال:
«أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنموبكم، فأيُّما عبدٍ يلقى الله تعالى تائباً من ذنبه إلا كان على الله حقاً أن يغفر له. من كان عليه دَيْن فليقضِه، فإنَّ العبد مُرْتَهنٌ بدَيْنه. ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام. أيها المسلمون، قد فُجعتم برجل ما أزعم أني رأيت بعداً أبرَّ صدراً لا أبعد من الغائلة ولا أشد حباً للعامة ولا أنصح منه. فترحَّموا عليه. واحضروا الصلاة عليه»
.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
سيرة الخلفاء والأمراء سيرة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه سيرته رضي الله عنه قبل تولِّي الخلافة وبعدها
أخرج ابن سعد عن ابن عمر، وعائشة، وابن المسيِّب وغيرهم رضي الله عنهم - دخل
حديث بعضهم في حديث بعض -
قالوا:
بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإِثنين لاثنتي عشرة ليلة خلَت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منزله بالسُّنْح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجْرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحوَّل إلى منزله بالمدينة، فأقام هناك بالسُّنْح بعدما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار، ورداء مُمَشَّق، فيوافي المدينة فيصلِّي الصلوات بالناس، فإذا صلَّى العشاء رجع إلى أهله بالسُّنْح، فكان إذا حضر صلَّى بالناس، وإذا لم يحضر صلَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان يقوم يوم الجمعة في صدر النهار بالسُّنْح يصبغ رأسه ولحيته، ثم يروح لَقَدر الجمعة فيُجَمِّع بالناس.
وكان رجلاً تاجراً فكان يغدو كل يوم السوق فيبيع ويبتاع. وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو نفسه فيها، وربما كُفِيَها فرُعِيت له. وكان يحلب للحيّ أغنامهم،
فلما بُويع له بالخلافة قالت جارية من الحيّ:
الآن لا تُحلب لنا مَنائح دارنا،
فسمعها أبو بكر رضي الله عنه فقال:
بلى لعمري لأحلُبَنَّها لكم، وإنِّي لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلِق كنت عليه،
فكان يحلب لهم فربما قال للجارية من الحي:
يا جارية أتحبين أن أرغي لكل أو أُصَرِّح،
فربما قالت:
صرِّح، فأي ذلك قالت فعل.
فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها ونظر في
أمره،
فقال:
لا والله ما يُصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ، والنظر في شأنهم، وما بُدٌّ لعيالي ممّا يصلحهم، فترك التجارة، واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج، ويعتمر، وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم.
فلما حضرته الوفاة قال:
ردّوا ما عندنا من مال المسلمين فإنِّي لا أُصيب من هذا المال شيئاً، وإِن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم. فدُفع ذلك إلى عمر ولَقوح، وعبد صَيْقَل، وقطيفة ما يساوي خمسة دراهم.
فقال عمر رضي الله عنه:
لقد أتعب مَنْ بعده.
قالوا:
واستعمل أبو بكر رضي الله عنه على الحج سنة إحدى عشرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم اعتمر أبو بكر رضي الله عنه في رجب سنة إثنتي عشرة، فدخل مكة ضَحْوة، فأتى منزله وأبو قحافة رضي الله عنه جالس على باب داره،
معه فتيان أحداث يحدّثهم إلى أن قيل له:
هذا إبنك، فنهض قائماً وعَجِل أبو بكر رضي الله عنه أن ينيخ راحلته فنزل عنه وهي قائمة،
فجعل يقول:
يا أبتِ لا تقم، ثم لاقاه فالتزمه وقبَّل بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحاً بقدومه. وجاء إلى مكة عتَّاب بن أسِيد، وسهيل بن عمرو، وعِكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام - رضي الله عنهم -
فسلَّموا عليه:
سلام عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعاً، فجعل أبو بكر - رضي الله عنه - يبكي حين يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلَّموا على أبي قحافة.
فقال أبو قحافة:
يا عتيق، هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم،
فقال أبو بكر:
يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله، طُوِّقت عظيماً من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله.
ثم خل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحَّاهم،
ثم قال:
أمشوا على
رِسْلكم، ولقيه الناس يتمشّون في وجهه ويُعزُّونه بنبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، حتى انتهى إلى البيت، فاضطبع بردائه، ثم استلم الركن ثم طاف سبعاً، وركع ركعتين ثم انصرف إلى منزله.
فلما كان الظهر خرج فطاف أيضاً بالبيت ثم جلس قريباً من دار النَّدْوة فقال:
هل من أحد يتشكَّى من ظُلامة أو يطلب حقاً؟ فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيراً، ثم صلَّى العصر وجلس فودَّعه الناس ثم خرج راجعاً إلى المدينة. فلما كان وقت الحج سنة إثنتي عشرة حجَّ أبو بكر - رضي الله عنه - بالناس تلك السنة، وأفرد الحج، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
قال ابن كثير:
هذا سياق حسن، وله شواهد من وجوه أخر، ومثل هذا تقبله النفوس وتلقَّاه بالقبول.
قصة عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه سيرته لما بعثه عمر رضي الله عنهما عاملاً على حمص وقول عمر فيه
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن عمير بن سعد الأنصاري - رضي الله عنه -
قال:
بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاملاً على حمص، فمكث حولاً لا يأتيه خبره.
فقال عمر لكاتبه:
أكتب إلى عمير، فوالله ما أراه إِلا قد خاننا.
«إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا»
.
فأخذ عمي - رضي الله عنه - جرابه، فجعل فيه زاده وقصعته، وعلَّق إداوته، وأخذ عَنَزَته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة.
قال:
فقدم وقد شحب لونه واغبرَّ وجهه وطالت شَعْرته.
فدخل على عمر رضي الله عنه وقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته،
فقال عمر:
ما شأنك؟
فقال عمير:
ما ترى من شأني؟ ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرُّها بقَرنها.
قال:
وما معك؟ فظن عمر رضي الله عنه أنه قد جاء بال.
فقال:
معي جرابي أجعل فيه زادي، وقَصْعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وَضوئي وشرابي، وعَنَزَتي أتوكأ عليها وأُجاهد به عدواً إن عرض؛ فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي.
قال عمر:
فجئت تمشي؟
قال:
نعم.
قال:
أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟
قال:
ما فعلوا وما سألتهم ذلك. فقال عمر - رضي الله عنه -: بئس المسلمون خرجت من عندهم. فقال له عمير - رضي الله عنه -: إتَّق الله يا عمر، قد نهاك الله عن الغيبة، وقد رأيتُهم يصلّون صلاة الغداة.
قال عمر:
فأين بعثتك؟ -
وفي رواية الطبراني:
فأين ما بعثتك به؟ - وأي شيء صنعت؟
قال:
وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟
فقال عمر:
سبحان الله فقال عمير: أما لولا أنِّي أخشى أن أغمَّك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صُلَحاء أهلها فوليتهم جباية فيْئِهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ولو نالك منه شيء لأتيتك به.
قال:
فما جئتنا بشيء؟
قال:
لا.
قال:
جدِّدوا لعمير عهداً.
قال:
إنَّ ذلك لشيء لا عملت لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني - أي أخزاك الله - فهذا ما عرضتني له يا عمر وإن أشقَى أيامي يوم خُلِّفت معك يا عمر؛ فاستأذنه فأذن له فرجع إلى منزله،
قال:
وبينه وبين المدينة أميال.
فقال عمر - رضي الله عنه -
حين انصرف عمير:
ما أراه إلا قد خاننا، فبعث رجلاً يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار،
فقال له:
إنطلق إلى عمير حتى
تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإِن رأيت حالة شديدة فادفع إليه هذه المائة الدينار.e فانطلق الحارث فإذا هو بعُمير جالس يَفلي قميصه إلى جانب الحائط. فسلَّم عليه الرجل،
فقال له عُمَير:
أنزل - رحمك الله - فنزل.
ثم سأله فقال:
من أين جئت؟
قال:
من المدينة.
قال:
فكيف تركت أمير المؤمنين؟
قال:
صالحاً.
قال:
فكيف تركت المسلمين؟
قال:
صالحين.
قال:
أليس يقيم الحدود؟
قال:
بلى، ضرب إبناً له أتى فاحشة، فمات من ضربه.
فقال عمير:
اللهمَّ أعِن عمر، فإني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك.
قال:
فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصُّونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد.
فقال له عمير:
إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل.
قال:
فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين فاستعن بها.
قال:
فصاح،
وقال:
لا حاجة لي فيها ردَّها.
فقالت له إمرأته:
إن احتجت إِليها وإلا فضعها مواضعها.
فقال عمير:
والله ما لي شيء أجعلها فيه، فشقَّت إمرأته أسفل درعها فأعطته خِرقة فجعلها فيها. ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء، ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئاً.
فقال له عمير:
إقرأ مني أمير المؤمنين السلام.
فرجع الحارث إلى عمر،
فقال:
ما رأيت؟
قال:
رأيت يا أمير المؤمنين حالاً شديداً.
قال:
فما صنع بالدنانير؟
قال:
لا أدري.
قال:
فكتب إليه عمر إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل.
فأقبل إلى عمر فدخل عليه فقال له عمر:
ما صنعت بالدنانير؟
قال:
صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها؟
قال:
أنشد عليك لتخبرنِّي ما صنعت بها؟
قال:
قدَّمتها لنفسي.
قال:
رحمك الله، فأمر له بوَسْق من طعام وثوبين.
فقال:
أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صَاعَين من شعير إلى أن آكل ذلك قد جاء الله تعالى بالرزق، ولم يأخذ
الطعام.
وأما الثوبان فقال:
إنَّ أُم فلان عارية، فأخذهما ورجع إلى منزله فلم يلبث أن هلك، رحمه الله. فبلغ عمر ذلك فشقَّ عليه وترحَّم عليه، فخرج يمشي ومعه المشاؤون إلى بقيع الغرقد،
فقال لأصحابه:
لِيَتَمنَّ كل رجل منكم أمنية.
فقال رجل:
وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأعتق لوجه الله عزّ وجلّ كذا وكذا.
وقال آخر:
وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأنفق في سبيل الله،
وقال آخر:
وددت لو أنَّ لي قوة فأمتح بدلو زمزم لحجّاج بيت الله.
فقال عمر:
وددت أنَّ لي رجلاً مثل عمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين. وأخرجه الطبراني أيضاً مثله عن عمير بن سعد.
قال الهيثمي:
وفيه عبد الملك بن إبراهيم بن عنترة وهو متروك. انتهى. هكذا وقع عند الهيثمي، والذي يظهر أن الصواب عبد الملك بن هارون بن عنترة كما في كتب أسماء الرجال، وقد أخرج ابن عساكر من طريق محمد بن مزاحم بطوله بمعناه مع زيادات، كما في الكنز.
قصة سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي رضي الله عنه سيرته رضي الله عنه وهو عالم بحمص
أخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن معدان قال:
إستعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي - رضي الله عنه -.
فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال:
يا أهل حمص، كيف وجدتم
عاملكم؟ فشكوه إليه - وكان يقال لأهل حمص الكُوَيفة الصغرى لشكايتهم العمال -
قالوا:
نشكوا أربعاً: لا يخرج إِلينا حتى يتعالَى النهار.
قال:
أعْظِم بها.
قال:
وماذا قالوا: لا يجيب أحداً بليل.
قال:
وعظيمة.
قال:
وماذا؟
قالوا:
وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا.
قال:
عظيمة.
قال:
وماذا؟
قالوا:
يغنظ الغنظة بين الأيام - يعني تأخذه مُوتَة -.
قال:
فجمع عمر رضي الله عنه بينهم وبينه وقال: اللهمّ لا تفل رأيي فيه اليوم، ما تشْكون منه؟
قالوا:
لا يخرج إِلينا حتى يتعالى النهار.
قال:
والله إن كنت لأكره ذكره؛ ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
فقال:
ما تشْكون منه؟
قالوا:
لا يجيب أحداً بليل. قال ما تقول؟
قال:
إن كنت لأكره ذكره؛ إنِّي جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عزّ وجلّ.
قال:
وما تشكون؟
قالوا:
إنَّ له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه.
قال:
ما تقول؟
قال:
ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبلها.
قال:
ما تشكون منه؟
قالوا:
يغنظ الغنظة بين الأيام.
قال:
ما تقول؟
قال:
شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري رضي الله عنه بمكة، وقد بضَّعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا؛ أتحب أن محمداً مكانك؟
فقال:
والله ما أحب أنِّي في أهلي وولدي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم شِيك بشوكة،
ثم نادى:
يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتَرْكي نُصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم؛ إلا ظننت أن الله عزّ وجلّ لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً.
قال:
فتصيبني تلك الغنظة.
فقال عمر:
الحمد لله الذي لم يفل فراستي.
فبعث إليه بألف دينار وقال:
إستعن بها على أمرك،
فقالت إمرأته:
الحمد لله الذي أعنانا عن خدمتك،
فقال لها:
فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إِلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها،
قالت:
نعم. فدعا رجلاً من أهل بيته يثق به فصرَّرها صرراً،
ثم قال:
إنطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإِلى يتيم آل فلان، وإِلى مسكين آل فلان، وإِلى مُبتَلى آل فلان. فبقيت منها ذُهيبة.
فقال:
أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله.
فقالت:
ألا تشتري لنا خادماً؟ ما فعل ذلك المال.
قال:
سيأتيك أحوج ما تكونين.
[قصة أبي هريرة رضي الله عنه]
أخرج أبو نعيم في الحلية عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - أقبل في السوق يحمل حزمة حطب - وهو يومئذٍ خليفة لمروان -
فقال:
أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك،
فقلت له:
يكفي هذا،
فقال:
أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه.