الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
أخرج الحاكم وأبو نُعيم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فذكر شيئاً من هذا الحديث.
عرضه عليه السلام الدعوة على الأوس والخزرج
وأخرج أبو نُعيم في الدلائل
(ص ١٠٥)
من طريق الواقدي عن إسحاق بن حباب عن يحيى بن يعلى قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً - وهو يذكر الأنصار وفضلهم وسابقتهم -
ثم قال:
إنّه ليس بمؤمن من لم يحبَّ الأنصار ويعرف لهم حقوقهم، هم - والله - ربَّوا الإِسلام كما يُربى الفَلُوُّ في غنائهم بأسيافهم وطول ألسنتهم وسخاء أنفسهم. لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في المواسم فيدعو القبائل، ما أحدٌ من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه. فقد كان يأتي القبائل بمجنَّة وعُكاظ وبمنى حتى يستقبل القبائل يعود إليهم سنة بعد سنة،
حتى إنَّ القبائل منهم من قال:
ما آن لك أنْ تيأس منا؟ من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى أراد الله عزّ وجلّ ما أراد بهذا الحيِّ من الأنصار
فأعرض عليهم الإِسلام، فاستجابوا وأسرعوا وآوَوا ونصروا وواسوا - فجزاهم الله خيراً - قدمنا عليهم، فنزلنا معهم في منازلهم، ولقد تشاحُّوا فينا، حتى إن كانوا ليقترعون علينا، ثم كنَّا في أموالهم أحقَّ بها منهم طيبة بذلك أنفسهم؛ ثم بذلوا مهج أنفسهم دون نبيهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
وأخرج أبو نُعيم أيضاً في الدلائل
(ص ١٠٥)
عن أمِّ سعد بنت سعد بن الربيع رضي الله عنهما قالت: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله عزّ وجلّ يؤُذى ويُشتم، حتى أراد الله عزّ وجلّ بهذا الحيِّ من الأنصار ما أراد من الكرامة، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفر منهم عند العقبة وهم يحلِقون رؤوسهم.
قلت:
من هم يا أمَّه؟
قالت:
ستة نفر أو سبعة،
منهم من بني النجار ثلاثة:
أسعد بن زُرارة وابنا عفراء، ولم تُسمِّ لي من بقي.
قالت:
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، فقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله، وفوافَوا قابل وهي العقبة الأولى؛ ثم كانت العقبة الآخرة.
قلت لأمِّ سعد:
وكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة؟
قالت:
أما سمعت قول أبي صِرْمَة قيسِ بن أبي أنس؟
قلت:
لا أدري ما قال،
فأنشدتني قوله:
ثَوَى في قريشٍ بِضْعَ عشْرَة حَجَّة
يُذكِّرُ لو لاقَى صديقاً مواتيا
وذكر الأبيات كما سيأتي في باب النُصرة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرج أبو نُعيم أيضاً في الدلائل
(ص ١٠٥)
عن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه،
والزُّهري رضي الله عنه قال:
لمَّا اشتد المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لعمِّه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:
«يا عم، إنَّ الله عزّ وجلّ ناصر دينه بقوم يهون عليهم رَغْمُ قريش عزاً في ذات الله تعالى فامضِ بي إلى عُكاظ، فأرني منازل أحياء العرب حتى أدعوهم إلى الله عزّ وجلّ، لأأن يمنعوني ويؤووني حتى أُبلِّغ عن الله عزّ وجلّ ما أرسلني به»
،
قال:
فقال العباس: يا ابن أخي، إمضِ إلى عُكاظ فأنا ماضٍ معك حتى أدلَّك على منازل الأحياء. فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بثَقيف، ثم استقرى القبائل في سنّته. فلما كان العام المقبل - وذلك حين أمر الله تعالى أن يعلن الدعاء -
لقي الستة نفرٍ الخزرجيين والأوسيين:
أسعد بن زُرارة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، والنعمان بن حارثة، وعُبادة بن الصامت. فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مِنًى عنه جَمرة العقَبَة ليلاً، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وإلى عبادته، والموازرة على دينه الذي بعث به أنبياءه ورسله، فسألوه أنْ يَعرِض عليهم ما أُوحي إليه،
فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة إبراهيم:
{وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَاذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ}
(إبراهيم: ٣٥)
. - إلى آخر السورة، فرقَّ القوم وأخبتوا حين سمعوا وأجابوه.
فمرَّ العباس بن عبد المطلب وهو يكلِّمهم ويكلِّمونه،
فعرف صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
ابن أخي، من هؤلاء الذين عندك؟
قال:
يا عمّ،
سكان يثرب:
الأوس والخزرج قد دعوتهم ما دعوت إليه مَنْ قبلَهم من الأحياء فأجابوني وصدقوني، وذكروا أنَّهم يخرجونني إلى بلادهم.
فنزل العباس بن عبد المطلب وعقل راحلته ثم قال لهم:
يا معشر الأوس والخزرج، هذا ابن أخي - وهو أحبُّ الناس إِليّ - فإن كنتم صدَّقتموه وآمنتم به وأردتم إِخراجه معكم فإني أريد أن آخذ عليكم موثقاً تطمئنُ به نفسي ولا تخذلوه ولا تغرُّوه فإنَّ جيرانكم اليهودُ، واليهودُ له عدوٌ، ولا آمن مكرهم عليه. فقال أسعد بن زرارة - وشقَّ عليه قول
العباس حين اتَّهم عليه سعداً وأصحابه -
قال:
يا رسول الله إئذن لنا فلنجبْهُ غير مُخُشِنين بصدرك ولا متعرِّضين لشيء مما تكره إلا تصديقاً لإِجابتنا إيام، وإيماناً بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«أجيبوه غيرع مُتَّهمين»
. فقال أسعد بن زُرارة - وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه -
فقال:
يا رسول الله، إنَّ لكل دعوة سبيلاً، إنْ لينٌ وإنْ شدةٌ، وقد دعوتَ اليوم إلى دعوة متجهِّمة للناس متوعِّرة عليهم، دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك على دينك وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار والأرحام القريب والبعيد وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، ودعوتنا ونحن جماعة في دار عز ومَنَعَة لا يطمع فيها أحد أن يرأس علينا رجل من غيرنا قد أفرده قومه وأسلمه أعمامه وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، وكل هؤلاء الرتب مكروهة عند الناس إلا من عزم الله على رشده والتمس الخير في عواقبها وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا وصدورنا، وأيدينا، إيماناً بما جئت به، وتصديقاً بمعرفة ثبتت في قلوبنا، نبايعك على ذلك ونبايع ربَّنا وربَّك، يد الله فوق أيدينا، ودماؤنا دون دمك، وأيدينا دون يدك،
نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فإنْ نفي بذلك فلِلَّهِ نَفي، وإنْ نغدر فبالله نغدر ونحن به أشقياء،
هذا الصدق منا يا رسول الله:
والله المستعان.
ثم أقبل على العباس بن عبد المطلب بوجهه فقال:
وأما أنت أيُّها المعترض لنا بالقول دون النبي صلى الله عليه وسلم ـ والله أعلم ما أردت بذلك؟ - ذكرت أنَّه ابنُ أخيك وأحبُّ الناس إليك، فنحن قد قطعنا القريب إِلينا والبعيد وذا الرحم، ونشهد أنه رسول الله، الله أرسله من عنده، ليس بكذاب، وأنَّ ما جاء به لا يشبه كلام البشر، وأما ما ذكرت أنَّك لا تطمئن إلينا في أمره حتى تأخذ مواثيقنا فهذه خصلة لا نردّها على أحد أرادها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ ما شئت،
ثم التفت إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، خذ لنفسك ما شئت، واشترط لربك ما شئت. فذكر الحديث بطوله في بَيْعهم.
وستأتي أحاديث البَيْعة في البيعة على النُّصْرة، وأحاديث الباب في باب النُّصْرة في ابتداء أمر الأنصار إن شاء الله تعالى.
عرضه صلى الله عليه وسلم الدعوة في السوق عرضه عليه السلام الدعوة في سوق ذي المجاز