الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج أبو داود، ومُسدِّد، الحارث، وابن أبي شيبة،
وابن المبارك من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري:
أن رجلاً يقال له حُمَمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غزا إصبهان زمن عمر رضي الله عنه،
فقال:
اللهمَّ إنَّ حُمَمة يزعم
أنه يحب لقاءك. اللهم إن كان صادقاً فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذباً فاحمل عليه وإن كره - الحديث،
وفيه:
أنه استشهد،
وأن أبا موسى قال:
إنه شهيد. كذا في الإِصابة.
وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد،
وزاد:
وإن كان كارهاً فاعزم له وإنكره. اللهم لا يرجع حُمَمة من سفره هذا، فأخذه الموت -
قال عفان مرة:
البطن - فمات بأصبهان.
قال:
فقام أبو موسى رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس، والله ما سمعنا فيما سمعنا من نبيكم صلى الله عليه وسلم وما بلغ علمنا إلا أنَّ حُمَمة شهيد.
قال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح، غير داود بن عبد الله الأودي، وهو ثقة؛ وفيه خلاف. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم - نحوه؛ كما في المنتخب.
تمني النعمان بن مقرِّن الشهادة
وأخرج الطبري عن مَعْقِل بن يَسَار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الهُرْمُززان.
فقال:
ما ترى، أبدأ بفارس، أو بأذْرَبيجان، أم بأصبهان؟
فقال:
إنّ فارس وأذربيجان: الجناحان،
وأصبهان:
الرأس؛ فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الآخر؛ فإن قطعت الرأس وقع الجناحان؛ فأبدأ بالرأس.
فدخل عمر رضي الله عنه المسجد والنعمانُ بن مقرِّن رضي الله عنه يصلِّي،
فقعد إلى جنبه فلما قضى صلاته قال:
إِني أريد أن أستعملك.
قال:
جابياً، فلا؛ ولكن غازياً.
قال:
فأنت غاز. فوجّهه إلى أصبهان - فذكر الحديث،
وفيه:
فقال المغيرة للنعمان: يرحمك الله، إنه قد أسرع في الناس، فاحمل.
فقال:
والله إنك لذو مناقب، لقد شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر.
قال:
ثم قال: إني هازٌّ لوائي ثلاث مرات: فأما الهزة الأولى فقَضَى رجل حاجته وتوضأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه، وفي شِسْعة فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا ولا يلوِينّ أحد على أحد، وإن قُتل النعمان فلا يَلْو عليه أحد، فإني أدعو الله عزّ وجلّ بدعوة،
فعزمت على كل امرىء منكم لَمَّا أمّن عليها:
اللهم أعطِ اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم.
وهز لواءه أول مرة، ثم هزّ الثانية؛ ثم هزَّ الثالثة، ثم شل درعه؛ ثم حمل فكان أول صريع.
فقال معقِل:
فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علماً، ثم ذهبت - وكنا إِذا قتلنا رجلاً شَغَل عنا أصحابه - ووقع ذو الحاجبين عن بغلته، فانشقَّ بطنه، فهزمهم الله. ثم جئت إِلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب.
فقال:
من أنت؟
قلت:
معقِل بن يَسَار.
قال:
ما فعل الناس؟
فقلت:
فتح الله عليهم.
قال:
الحمد لله. أكتبوا
بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه. وعند الطبري أيضاً عن زياد بن جبير عن أبيه رضي الله عنه - فذكر الحديث بطوله في وقعة نهاوند،
وفيه:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجِّل حتى تحضر الصلاة، وتهب الأرواح، ويطيب القتال فما منعني إلا ذلك. اللهمَّ إني أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإِسلام، وذلّ يذِلّ به الكفار؛ ثم إقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة. أمِّنوا - يرحمكم الله - فأمّنّا وبكينا.
وقد أخرج الطبراني حديث معقِل بن يسار رضي الله عنه - بطوله مثل ما روى الطبري.
قال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح غير علقمة بن عبد الله المُزَني، وهو ثقة. انتهى. وأخرجه الحاكم أيضاً عن معقل - بطوله.
رغبة الصحابة في الموت والقتل في سبيل الله يوم بدر قصة خيثمة وابنه سعد في إستهامهما الخروج
أخرجح الحاكم عن سليمان بن بلال رضي الله عنه:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعاً الخروج معه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يخرج أحدهما. فإسْتَهما، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد - رضي الله عنهما -: إنه لا بدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقمْ مع نسائك،
فقال سعد:
لو كان غيرَ الجنة لآثرتك به، إنِّي أرجو الشهادة في وجهي هذا، فإستهما، فخرج سهم سعد؛ فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر. فقتله عمرو
بن عبد ودّ، وأخرجه أيضاً ابن المبارك عن سليمان، وموسى بن عقبة عن الزهري؛ كما في الإِصابة.
قصة شهادة عبيدة بن الحارث
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن علي بن الحسين قال:
لما كان يوم بدر فدعا عتبة إلى البراز؛ قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة، وكانا مشَتَبِهَيْن حَدثين، وقال بيده، فجعل باطنها إلى الأرض فقتله. ثم قام شيبة بن ربيعة، فقام إليه حمزة رضي الله عنه، وكانا
(مشتبِهين)
، وأشر بيده فوق ذلك فقتله. ثم قام عتبة بن ربيعة، فقام إليه عبيدة بن الحارث رضي الله عنه وكانا مثل هاتين الأسطوانتين، فاختلفا ضربتين، فضربه عبيدة ضربة أرخت عاتقه الأيسر؛ فأسفَّ عتبة لرجل عبيدة، فضربها بالسيف فقطع ساقه؛ ورجع حمزة، علي رضي الله عنهما على عتبة، فأجهزا عليه، وحملا عبيدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العريش، فأدخلاه عليه فأضجعه رضي الله عنه، ووسَّدَه رجله وجعل يمسح الغبار عن وجهه.
فقال عبيدة:
أما - والله - يا رسول الله،
لو رآني أبو طالب لعلم أنِّي أحقُّ بقوله منه حين يقول:
ونُسلِمُه حتى نُصرَّعَ حوله
ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحلائلِ
ألستُ شهيداً؟
قال:
«بلى، وأنا الشاهد عليك»
، ثم مات. فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصَّفْراء، ونزل في قبره وما نزل في قبر أحد غيره. كذا في كنز العمال.
وأخرجه الحاكم عن الزهري قال؛ إختلف عتبة وعبيدة رضي الله عنه بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة، وعلي رضي الله عنهما على عتبة، فقتلاه، واحتملا صاحبهما رضي الله عنه، فجاءا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قطعت رجله، ومخُّها يسيل،
فلما أتَوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ألستُ شهيداً يا رسول الله؟
قال:
بلى.
فقال عبيدة:
لو كان أبو طالب حياً لعلم أنَّا أحق بما قال منه حيث يقول:
ونُسِلمُهُ حتى نُصَرَّعَ حوله
ونَذهلَ عن أبنائنا والحلائل يوم أُحد قصة عمر وأخيه زيد في ترك الدرع لإِرادة الشهادة