صفحة 501باب الجهاد تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وترغيبه على الجهاد وإنفاق الأموال خروج النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر واستشارته الصحابة وأقوالهم رضي الله عنهم أخرج بن أبي حاتم، وابن مردويه - واللفظ له - عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ونحن بالمدينة -:📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

أخرج الطبراني عن زيد بن وَهْب:

أن علياً رضي الله عنه قام في الناس فقام: الحمد لله الذي لا يُبرم ما نقض، وما أبرَم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف إثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جَحَد المفضول ذا الفضل فضله. وقد ساقتنا وهؤلاء القومَ الأقدار فلفَّت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجَّل النِقْمة وكان منه التغيير حتى يكذِّب الله الظالمَ، ويعلم الحق أين مصيره؛ ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار؛

{لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى}

(النجم: ٣١)

، ألا إنكم لاقو القوم غداً، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلُوا الله عزّ وجلّ النصر والصبر، وألقَوهم بالجدّ والحزم وكونوا صادقين ثم انصرف. انتهى.

تحريض علي رضي الله عنه يوم صفِّين

وأخرج أيضاً عن أبي عَمْرة الأنصاري وغيره:

أن علياً رضي الله عنه

حرّض الناس يوم صِفِّين،

فقال:

إنَّ الله عزّ وجلّ قد دلّكم على تجارة تُنجيك من عذاب أليم،

تُشفي بكم على الخير:

الإِيمان بالله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهادِ في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبةً في جنّات عدن؛ ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنَّهم بنيان مرصوص، فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدّموا الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس - فذكر الخطبة بطولها.

تحريض علي رضي الله عنه على قتال الخوارج

وأخرج أيضاً عن أبي الوَدّاك الهمْداني:

أنَّ علياً رضي الله عنه لما نزل بالنُّخَيلة وأيِسَ من الخوارج قام، فحمد الله وأثنى عليه،

ثم قال:

أما بعد: فإنه من ترك الجهاد في الله وأدْهَن في أمره كان على شفا هُلْكِهِ؛ إلا أن يتداركه الله بنعمة، فاتقوا الله وقاتلوا من حادّ الله، حاول أن يطفىء نور الله الخاطئين الضالّين القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإِسلام، والله لو وُلُّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقْل. تيسَّروا وتهيَّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إِلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدَموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شَخَصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى.

خطبة علي على تثاقلهم في النَّفْر

وأخرج أيضاً من طريق أبي مِخْنَف عن زيد بن وَهْب، أن عليّاً رضي الله عنه قال للناس - وهو أول كلام قال لهم بعد النهر -: أيها الناس، إستعدوا للمسير إِلى عدو في جهاده القُربة إلى الله، ودَرْك الوسيلة عنده، حيارى في الحق، جُفاة عن الكتاب نُكْبٌ عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويُعكَسون في غمرة الضلال، فأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكَّلوا على الله وكفى بالله وكيلاً، وكفى بالله نصيراً.

قال:

فلا هم نفروا ولا تيسَّروا، فتركهم أياماً حتى إذا أيسَ من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنْظرهم؛ فمنهم المعتلّ، ومنهم المُكرِّه، وأقلهم من نَشِط،

فقام فيهم خطيباً فقال:

عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفِروا أثّاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ وبالذل والهوان من العزّ؟ أوَ كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأن قلوبكم مألوسة، فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تبصرون، لله أنتم ما أنتم إلا أسودُ الشرى في الدَّعة. وثعالبُ روَّاغة حين تُدْعَون إلى البأس، ما أنتم لي بثقة سجيسَ الليالي، ما أنتم بركب يُصال بكم ولا ذي عِزَ يعتصم إليه، لعمر الله لبئس حُشاش الحرب أنتم، إِنكم تُكادون ولا تَكِيدون، ويُتنقَّص أطرافكم ولا

تتحاشَوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إنَّ أخا الحرب اليقظان ذو عقل، وبات لذلٍ مَنْ وادَع، وغُلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب.

ثم قال:

أما بعد: فإنَّ لي عليكم حقاً وإنّ لك عليَّ حقاً؛ فأما حقُّكم عليَّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فَيْئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلَّموا.n وأما حقِّي عليكم فالوفاء بالبَيْعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإِجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإنْ يُرِدِ الله بكم خيراً انتَزِعُوا عما أكرَه وتَراجَعوا إلى ما أحب؛ تنالوا ما تَطلُبون وتُدرِكوا ما تأمُلون. انتهى.

نداء حَوْشَب الحميري علياً يوم صفِّين وجواب علي له

وأخرج ابن عبد البرِّ في الإستيعاب عن عبد الواحد الدمشقي قال:

نادى حوشي الحِمْيري علياً رضي الله عنه يوم صفِّين،

فقال:

إنصرف عنا يا ابن أبي طالب، فإنَّا ننشدك الله في دمائنا ودمك، ونخلّي بينك وبين عِراقك، وتخلِّي بيننا وبين شامنا؛ وتحقن دماء المسلمين.

قال علي رضي الله عنه:

هيهات يا ابن أم ظُلَيم والله لو علمتُ أنَّ المداهنة تسعني في دين الله لفعلت، وكان أهون عليّ في المؤونة، ولكن الله لم يرضَ من أهل القرآن بالسكوت والإِدْهان، إذا كان الله يُعصَى وهم يُطيقون الدفاع والجهاد حتى يظهر أم رالله. انتهى.

وأخرجه أبو نعيم في الحلية مثله.

ترغيب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على الجهاد خطبة سعد يوم القادسية

أخرج ابن جرير الطبري من طريق سيف عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم،

قالوا:

خطب سعد - أي يوم القادسية -

فحمد الله وأثنى عليه وقال:

إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خُلْف؛

قال الله جلّ ثناؤه:

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ}

(الأنبياء: ١٠٥)

إِنَّ هذا ميراثُكم وموعودُ ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حِجَج، فأنتم تطعَمون نها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها وتَجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعزّ مَنْ وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرِّبُ ذلك أحداً إِلى أجله، وإِن تفشلوا وتَهنوا وتضعفوا تذهبْ ريحكم وتوبقوا آخرتكم.

[خطبة عاصم بن عمرو يوم القادسية]

وقام عاصم بن عمرو رضي الله عنه فقال:

إن هذه بلاد قد أحلَّ الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلَون، والله معكم إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن، فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم بلادهم، وإِن خرتم وفشِلتم - والله لكم من ذلك جار وحافظ - لم يبقِ هذا الجمع منكم باقية؛ مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك؛ الله الله، أذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، أوَ لا ترون أنَّ الأرض وراءكم بسابسُ قفار ليس فيها خَمْر ولا وَزَر يُعقل إليه ولا يُمتنع به؟ إجعلوا همَّكم الآخرة. انتهى.

رغبة الصحابة رضي الله عنه وشوقهم إلى الجهاد والنفر في سبيل الله رغبة أبي أمامة في الجهاد

أخرج أبو نُعيم في الحلِية عن أبي أمامة رضي الله عنه قال:

(لما)

همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروح إلى بدر. أجمع الخروج معه، فقال له

(خاله)

أبو بردة بن نيار: أقم على أمك.

قال:

بل أنت فأقم على أختك. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أبا أمامة بالمُقام

(على أمه)

. وخرج أبو بردة؛ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توفيت فصلَّى عليها.

[رغبة عمر في السير في سبيل الله وقوله: إن الجهاد أفضل من الحج]

وأخرج الإِمام أحمد في الزهد، وسعيد بن منصور،

وابن أبي شيبة وغيرهم عن عمر رضي الله عنه قال:

لولا ثلاثٌ لأحببت أن أكون لحقت بالله: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي لله في التراب ساجداً، وأجالس قوماً يلتقطون طيِّل الكلام كما يلتقط طيب التمر. كذا في الكنز.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال:

عليكم بالحج، فإنه عمل صالح أمر الله به، والجهاد أفضل منه. كذا في الكنز.

[رغبة ابن عمر رضي الله عنهما في الجهاد]

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

عُرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فاستصغرني فلم يقبلني، فما أتت عليَّ ليلة قط مثلُها

من السهر والحزن والبكاء إذ لم يقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من العام المقبل عُرضت عليه فقبلني، فحمدت الله على ذلك.

قال رجل:

يا أبا عبد الرحمن، تولّيتم يوم التقى الجمعان،

قال:

نعم، فعفا الله عنا جميعاً، فله الحمد كثيراً. كذا في منتخب الكنز.

قصة عمر مع رجل أراد الجهاد

وأخرج هنَّاد عن أنس رضي الله عنه قال:

جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمين، إحملني فإني أريد الجهاد،

فقال عمر رضي الله عنه لرجل:

خذ بيده، فأدخله بيت المال يأخذ ما شاء. فدخل فإذا بيضاء وصفراء،

فقال:

ما هذا؟ ما لي في هذا حاجة، إِما أردت زاداً وراحلة. فردّوه إلى عمر فأخبروه بما قال، فأمر له بزادٍ وراحلة، وجعل عمر يُرَحِّل له بيده، فلما ركب رفع يده فحمد الله وأثنى عليه بما صنع به وأعطاه، ومر يمشي خلفه يتمنى أن يدعو له.

فلما فرغ قال:

اللهمّ، وعمر فأجْزِه خيراً كذا في الكنز.

[قول عمر في فضيلة من يخرج ويحرس في سبيل الله]

وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن منذر أن عمر رضي الله عنه قال لجلسائه:

أي الناس أعظم أجراً؟ فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة،

ويقولون:

فلان وفلان بعد أمير المؤمنين.

فقال:

ألا أخبركم بأعظم الناس أجراً ممّن ذكرتم ومن أمير المؤمنين؟

قالوا:

بلى.

قال:

رُويجل بالشام آخذ بلجام فرسه يكلأ مِنْ وراء بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه، أم هامَّة تلدغه، أو عدوّ يغشاه؟ فذلك أعظم أجراً ممن ذكرتم ومن أمير المؤمين. كذا في كنز

العمال.

[قصة عمر ومعاذ في الخروج مع أبي بكر]

أخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال:

كان عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إِلى الشام لقد أخلّ خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر رحمه الله أن يحبسه لحاجة الناس إليه،

فأبى ليّ وقال:

رجل أراد وجهاً يريد الشهادة فلا أحبسه.

فقلت:

والله إنَّ الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه وفي بيته عظيم الغنى عن مِصره.

قال كعب بن مالك:

وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. كذا في الكنز.

[ترجيح عمر للمهاجرين الأولين على رؤساء القوم في المجلس]

وأخرج ابن عساكر عن نوفل بن عمارة قال:

جاء الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده وهو بينهما،

فجعل المهاجرون الأولون يأتون عمر فيقول:

ها هنا يا سهيل، ها هنا يا حارث، فينحيهما عنهم. فجعل الأنصار يأتون عمر فينحيهما عنهم كذلك حتى صارا في آخر الناس.

فلما خرجا من عند عمر قال الحارث بن هشام لسهيل بن عمرو:

ألم ترَ ما صنع بنا فقال له سهيل: أيها الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا ودُعينا فأبطأنا.

فلما قاموا من عند عمر أتياه فقالا له:

يا أمير المؤمنين قد رأينا ما فعلتَ اليوم وعلمنا أنا أُتينا من

(قِبَلِ)

أنفسنا، فهل

(من)

شيء نستدرك به

(ما فاتنا من الفضل؟)

فقال لها: لا أعلمه إلا هذا الوجه، وأشار

لهما إلى ثغر الروم. فخرجا إلى الشام فماتا بها. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً الزبير عن عمه مصعب عن نوفل بن عمارة بنحوه؛ كما ذكره ابن عبد البر في الإستيعاب.

قول سهيل بن عمرو للرؤساء الذين قدَّم عمر المهاجرين عليهم

وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك عن جرير بن حازم عن الحسن يقول:

حضر أناس باب عمر وفيهم: سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والشيوخ من قريش رضي الله عنهم. فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب، وبلال، وعمار رضي الله عنهم -

وقال:

وكان والله بدرياً، وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم -

فقال أبو سفيان:

ما رأيت كاليوم قط إنه يأذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا. فقال سهيل بن عمرو - ويا له من رجل ما كان أعقله - أيها القوم، إِني - والله - قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعيتم؛ فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لَمَا سبقوكم به من الفضل فيما يرون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تَنافَسون عليه،

ثم قال:

إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم - والله - إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله عزّ وجلّ أن يرزقكم الجهاد والشهادة، ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام.

قال الحسن:

صدق والله، لا يجعل الله عبداً أسرع إليه معبد أبطأ عنه. وهكذا ذكره في الإستيعاب وأخرجه الطبراني أيضاً عن الحسن بمعناه - مطولاً. قال الهيثمي رجاله رجال

الصحيح، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر. انتهى.

وأخرجه البخاري في تاريخه، والباوَرْدي من طريق حُميد عن الحسن بمعناه مختصراً، كما في الإِصابة.

خروج سهيل ومقامه في سبيل الله حتى الموت

وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد بن فُضالة - وكانت له صحبة -

قال:

إصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«مُقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله»

.

قال سهيل:

فإنما أرابط حتى أموت، ولا أرجع إِلى مكة.

قال:

فلم يزل مقيماً بالشام حتى مات في طاعون عَمَواس. كذا في الإِصابة. وأخرجه الحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه. مثله.

خروج الحارث بن هشام إلى الجهاد مع جزع أهل مكة عليه

وأخرج ابن المبارك عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال:

خرج الحارث بن هشام رضي الله عنه من مكة فجزع أهل مكة جزعاً شديداً، فلم يبق أحد يطعَم إلا خرج معهُ يشيِّعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء أو حيث شاء الله من ذلك، وقف ووقف الناس حوله يبكون.

فلما رأى جزع الناس قال:

يا أيها الناس، إني - والله - ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر، فخرجت فيه رجال من قريش - والله - ولو أن جبال

مكة ذهباً أنفقناها في سبيل الله؛ اأدركن يوماً من أيامهم، والله لئن فأتونا به في الدنيا لنلتمس أن نشاركهم في الآخرة، فاتَّقى الله أمرؤ فعل. فتوجّه إِلى الشام واتَّبَعه ثَقَله، فأصيب شهيداً رحمه الله. كذا في الإستيعاب. وأخرجه الحاكم. من طريق ابن المبارك. نحوه.

[رغبة خالد بن الوليد في الجهاد وطلبه القتل في سبيل الله]

وأخرج ابن سعد عن زياد مولى آل خالد قال:

قال خالد رضي الله عنه عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين، أصبِّح بهم العدوّ؛ فعليكم بالجهاد. كذا في الإِصابة.

وأخرجه أبو يَعْلى عن قيس بن أبي حازم قال:

قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: ما ليلة تُهدى إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب، أو أُبشَّر فيها بغلام، بأحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين أصَبِّح بها العدوّ.

كذا في المجمع وقال:

رجاله رجال الصحيح.

وأخرج أبو يَعْلى أيضاً عن قيس بن أبي حازم قال:

قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لقد منعني كثيراً من القراءة الجهادُ في سبيل الله.

قال الهيثمي:

رجاله رجال الصحيح.

وذكره في الإِصابة عن أبي يَعْلى عن خالد رضي الله عنه:

لقد شغلني الجهاد عن تعلّم كثير من القرآن.

وأخرج ابن المبارك في كتاب الجهاد عن عاصم بن بَهْدَلة عن أبي وائل قال:

لما حضرتْ خالداً رضي الله عنه الوفاةُ قال: لقد طلبت القتل مظانّه فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيءٌ أرجى عندي بعد أن لا إله إلا الله من ليلة بِتُّها وأنا متترِّس، والسماء تُهلُّني تمطر إلى الصبح حتى نُغير على الكفار.

ثم قال:

إِذا أن متّ فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عُدّةً في سبيل الله.

فلما توفي خرج عمر رضي الله عنه إلى جنازته فقال:

ما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن ما لم يكن نقعاً أو لقلقة. كذا في الإِصابة،

وقال:

فهذا يدلُّ على أنه مات بالمدينة ولكن الأكثر على أنه مات بحِمص. انتهى. وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي وائل - بنحوه مختصراً.

قال الهيثمي:

وإِسناده حسن. انتهى.

[رغبة بلال في الخروج في سبيل الله]

وأخرح الطبراني عن عبد الله بن محمد، وعمر،

وعمار إبني حفص عن آبائهم عن أجدادهم قالوا:

جاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنهما،

فقال:

يا خليفة رسول الله،

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«إن أفضل عمل المؤمنين جهاد في سبيل الله»

. وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت.

فقال أبو بكر رضي الله عنه:

أنا أنشدك بالله يا بلال، وحُرمتي وحقِّي، لقد كبرت سنّي وضعفت قوتي واقترب أجلي، فأقام بلال معه،

فلما توفي أبو بكر جاء عمر فقال له:

مثل مقالة أبي بكر؛ فأبى بلال عليه.

فقال عمر:

فمن يا بلال؟

قال:

إلى سعد، فإنه قد أذَّن بقُباء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل

عمر الأذان إلى عقبة وسعد.

قال الهيثمي:

وفيه عبد الرحمن بن سهل بن عمار وهو ضعيف. انتهى. وأخرجه ابن سعد أيضاً بهذا الإِسناد بنحوه.

وأخرج عن موسى بن محمد بن إِبراهيم التَّيْمي عن أبيه قال:

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أذّن بلال رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبر،

فكان إذا قال:

أشهد أنَّ محمداً رسول الله إنتحب الناس في المسجد.

قال:

فلما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر رضي الله عنه: أذّن.

فقال:

إن كنتَ إنما أعتقتني لأن أكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلّني ومن أعتقتني له.

فقال:

ما أعتقتك إلا لله.

قال:

فإني لا أؤذّن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذاك إليك.

قال:

فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها.

وعن سعيد بن المسيّب:

أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر،

قال:

لبيك.

قال:

أعتقتني لله أو لنفسك؟

قال:

لله.

قال:

فأخذن لي حتى أغزو في سبيل الله، أذن له. فذهب إلى الشام فمات ثَمَّ. وأخرجه أبو نُعيم في الحِلية عن سعيد - بنحوه.

إنكار المقداد على القعود عن الجهاد لآية النَفْر

وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي يزيد المكي قال:

كن أبو أيوب والمقداد رضي الله عنهما يقولان: أُمرنا أن ننفِر على كل حال،

ويتأوَّلان هذه الآية:

{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}

(التوبة: ٤١)

.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي راشد الحَبْراني قال:

وافيت

المقداد بن الأسود رضي الله عنه فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على تابوت من تابوت الصيارفة بحمص، قد فَضَل عنها من عِظَمِه، يريد الغزو؛

فقلت له:

لقد أعذَر إِليك.

قال:

أتت علينا سورة البعوث:

{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}

. وأخرجه الطبراني عن أبي راشد - بنحوه؛

قال:

الهيثمي: وفيه بقيّة بن الوليد وفيه ضعف، وقد وُثِّق؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه الحاكم، وابن سعد عن أبي راشد - بنحوه.

وقال الحاكم:

هذا حيث صحيح الإِسناد، لم يخرِّجاه. انتهى.

وأخرجه البيهقي عن جُبير بن نُفير قال:

جلسنا إلى المقداد بن الأسود رضي الله عنه بدمشق وهو على تابوت ما به عنه فَضْل.

فقال له رجل:

لو قعدت العام عن الغزو.

قال:

أتت علينا سورة البعوث يعني سورة التوبة؛

قال الله تبارك وتعالى:

{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}

فلا أجدني إِلا خفيفاً.

قصة أبي طلحة في ذلك

وذكر ابن عبد البر في الإستيعاب عن حمَّاد بن سلمة عن ثابت البُناني،

وعلي بن زيد عن أنس:

أن أبا طلحة رضي الله عنه قرأ سورة براءة؛

أتى على قوله تعالى:

{انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً}

.

فقال:

لا أرى ربَّنا إلا يستنفرنا شباباً

وشيوخاً؛ يا بَنيَّ، جهّزوني جهّزوني.

فقالوا له:

يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبي بكر رضي الله عنه حتى مات، ومع عمر رضي الله عنه حتى مات؛ فدعنا نغزُ عنك.

قال:

لا، جهزوني، فغزا البحر فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه بها وهو لم يتغير. انتهى. وأخرجه ابن سعد من طريق ثابت، وعلي عن أنس - بنحوه مطوّلاً.

وقد أخرجه البيهقي:

والحاكم من طريق حماد عن ثابت وعلي عن أنس بمعناه مختصراً،

قال الحاكم:

هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. وأخرجه أيضاً أبو يعلى كما في المجمع مختصراً،

وقال:

رجاله رجال الصحيح.

[قصة أبي أيوب في ذلك]

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...