الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم
وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال:
ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره؛
غير أنه في غزوة تبوك قال:
«يا أيها الناس، إنِّي أريد الروم، فأعلمهم، وذلك في زمان من البأس، وشدة الحرّ، وجدب من البلاد، وحين كانت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جَهازه ذلك قال للجَدّ بن قيس:
«يا جدّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر؟»
فقال: يا رسول الله، إئذن لي ولا تفتنِّي، لقد علم
قومي أنَّه ليس من أحد أشدّ عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يَفْتِنَّني، فأْذن لي يا رسول الله،
فأعرض عنه وقال:
«قد أذنت لك»
.
فأنزل الله تعالى:
{وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}
(التوبة: ٤٩)
، يقول ما وقع فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه
(أعظم)
ما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر:
«وإن جهنم لمحيطة بالكافرين»
يقول لِمَنْ ورائه.
وقال رجل من جملة المنافقين:
لا تنفروا في الحر،
فأنزل الله تعالى:
{قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}
(التوبة: ٨١)
.
قال:
ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جدّ في سفره، وأمر الناس بالجهاد، وحضّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله. فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا؛ وأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، وحمل على مائتي بعير. كذا في التاريخ لابن عساكر وأخرجه البيهقي السِيَر عن عروة رضي الله عنه مختصراً. وذكره في البداية عن ابن إسحاق عن الزُّهري ويزيد ابن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر - بنحوه.
وأخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس:
«ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟»
قال: يا رسول الله، إِنِّي أمرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، أفتأذن لي في الجلوس ولا تَفْتِنِّي؟
فأنزل الله:
{وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ}
(التوبة: ٤٩)
.
قال الهيثمي:
وفيه يحيى
الحِمَّاني وهو ضعيف.
بَعْثه عليه السلام الصحابة للإستنفار في سبيل الله إلى القبائل وإلى مكة
وذكر ابن عساكر:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إِلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوّهم، فبعث بُرَيدة بن الحُصَيب رضي الله عنه إلى أسْلَمَ وأمره أن يَبْلغ الفُرْع، وبعث أبا رُهْم الغِفاري رضي الله عنه إلى قومه وأمره أن يطلبهم ببلادهم، وخرج أبو واقد الليثي رضي الله عنه في قومه، وخرج أبو جعد الضَّمري رضي الله عنه في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مَكِيث وجند بنَ مكِيث رضي الله عنهما إلى جُهَينة، وبعث نُعَيم بن مسعود رضي الله عنه إلى أشْجَعَ، وبعث في بني كعب بن عمرو عِدَّةً،
وهم:
بُدَيل بن ورقاء، وعمرو بن سالم، وبِشر بن سفيان رضي الله عنهم، وبعث في سُلَيم عهدْةً، منهم العباس بن مرداس رضي الله عنه.
[إنفاق الصحابة رضي الله عنهم المال في غزوة تبوك]
وحضَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين على الجهاد ورغَّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة. فحملوا صدقات كثيرة، وكان أولَ من حمل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فجاء بماله كله؛ أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
«هل أبقيت لأهلك شيئاً؟»
فقال: الله ورسوله أعلم. ثم جاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أبقيت لأهلك شيئاً؟
قال:
نعم، نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق،
فقال:
ما استبقنا
إلى خير قط إلا سبقني إليه. وحمل العباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم مالاً، وحمل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إليه مائتي أوقية، وحمل سعد بن عُبادة رضي الله عنه إِليه مالاً، وكذلك محمد بن مَسْلمة رضي الله عنه، وتصدَّق عاصم بن عدي رضي الله عنه بتسعين وَسْقاً تمراً، وجهّز عثمان بن عفّان رضي الله عنه ثلث ذلك الجيش، وكان من أكثرهم نفقة حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم؛ حتى إِنْ كان ليُقال ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم إِشفي أسقيتهم؛
فيقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ:
«ما يضر عثمانَ ما فعل بعد هذا»
.
ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف واحتسبوا في ذلك الخير، وقوي ناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم،
حتى إنَّ الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول:
هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إنْ كنّ النساءُ ليُعِنَّ بكل ما قَدَرْن عليه.
لقد قالت أم سِنَان الأسلمية رضي الله عنها:
لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها فيه؛ مَسَكٌ، ومعاضِدُ، وخلاخلُ، وأقُرِطةٌ، وخواتيمُ، وقد مُلىء ممَّا بعث من النساء يُعِنَّ به المسلمين في جهَازهم، والناس في عُسْرة شديدة وحين طابت الثمار وأُحبّت الظِّلال، فالناس يحبُّون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنكماش والجدِّ، وضرب رسول الله عسكره بثَنِيَّة الوَداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب؛ قلَّ رجل يريد أن يتغيّب إلا ظَنَّ أن ذلك سيخفَى له ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله.
فلما استمرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير، إستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفُطة الغِفاري - ويقال محمد بن مَسْلمة رضي الله عنهما - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«أستكثروا من النِّعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكباً ما دام متنعِّلاً»
. فلمَّا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلَّف ابن أُبيّ عنه فيمن تخلَّف من المنافقين،
وقال:
يغزو محمد بني الأصفر مع جَهْد الحال والحرّ والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ونافق من هو معه على مثل رأيه.
ثم قال ابن أُبيّ:
والله، لكأنِّي أنظر إلى أصحابه غداً مُقَرَّنين في الحبال - إِرجافاً برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -. فلمَّا رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنيّة الوَداع إِلى تبوك وعقد الألوية والرايات دفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إِلى أُسَيد بن الحُضَير؛ ولواء الخزرج إلى أبي دُجَانة ويقال إلى الحُباب بن المنذر رضوان الله عليهم أجمعين. وكان الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ألفاً، ومن الخيل عشرة آلاف فرس، وأمر كل بَطْن من الأنصار أن يتَّخذ لواءه ورايته، والقبائل من العرب فيها الراياتُ والألوية. انتهى بحذف يسير.
إهتمامه صلى الله عليه وسلم ببَعْث أسامة رضي الله عنه في مرض وفاته وشدة إهتمام أبي بكر رضي الله عنه بذلك في أول خلافته بَعْث أسامة وانتداب الأوّلين فيه وإنكاره صلى الله عليه وسلم على من طعن في تأميره أسامة
أخرج ابن عساكر من طريق الزُّهري عن عُرْوة عن أسامة بن زيد رضي
الله عنهما:
أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُغير على أهل أُبْنَى صباحاً وأن يحرِّق.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة:
«إمضِ على إسم الله»
. فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه إلى بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أُسامة. وأمرت أُسامة فعسكر بالجُرف، وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يأخذون بالخروج؛ فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره، ومن لم يقضِ حاجته فهو على فراغ.
ولم يبق أحد من المهاجرين الأوَّلين إلا انتُدب في تلك الغزوة:
عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال المهاجرين.
والأنصار عِدَّة:
قتادة بن النعمان، وسَلَمة بن أسلم بن حريش رضي الله عنهم.
فقال رجال من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك قولاً عيَّاش بن أبي ربيعة -: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فكثرت القالة في ذلك. فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض ذلك القول، فردَّه على من تكلم به، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقول من قال، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً - وقد عصب على رأسه بعصابة وعليه قطيفة - ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه،
ثم قال:
«أما بعد أيها الناس: فما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ فوالله لئن طَعَنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله. وايْمُ الله، إنْ كان للإِمارة لخَليق، وإنَّ ابنه من بعده لخليق بالإِمارة. وإِنْ كان لأحبَّ الناس إِليّ، وإِنَّ هذا لمن أحب الناس إليّ، وإنهما لمخيَّلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر ليالٍ خَلَون من ربيع الأول.
وجاء المسلمون الذين سيخرجون مع أسامة رضي الله عنه يودّعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«أنْفِذوا بَعْث أُسامة»
.
ودخلت أم أيمن رضي الله عنها فقالت:
أيْ رسول الله، لو تركتَ أُسامة يقيم في معسكره حتى تَماثل، فإن أُسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه.
فقالت:
«أَنفِذُوا بَعْثَ أُسامة»
. فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد، ونزل أُسامة يوم الأحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مَغْمور وهو اليوم الذي لَدُّوه فيه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وعنده العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أُسامة فقبَّله - ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلّم -، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ويصبُّهما على أُسامة.
قال أُسامة:
فأعرف أنَّه كان يدعو لي.
قال أُسامة:
فرجعت إلى معسكري. فلما أصبح يوم الإِثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مُفيقاً، فجاءه أُسامة،
فقال:
«أُغْدُ على بركة الله»
فودّعه أُسامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفيق، وجعل نساؤه يتماشطن سروراً براحته. ودخل أبو بكر رضي الله عنه،
فقال:
يا رسول الله، أصبحت مُفيقاً بحمد الله، واليومُ يوم إبنة خارجة، فأُذنْ لي، فأذن له، فذهب إلى السُّنْح وركب أُسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، فانتهى إلى معسكره، ونزل وأمر الناس بالرحيل وقد مَتَع النهار.
[وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ودخول الصحابة المدينة]
فبينا أُسمة يريد أن يركب من الجُرف أتاه رسول أُم أيمن رضي الله عنها - وهي أُمه - تخبره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت، فأقبل أُسامة إلى المدينة ومعه عمر، وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت، فتوفي عليه السلام حين زاغت الشمس يوم الإِثنين لإثنتي عشرة ليلةً خَلَت من ربيع الأول. ودخل
المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة، ودخل بُرَيدة بن الحُصَيب رضي الله عنه بلواء أُسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرزه عنده. فلمَّا بُويع لأبي بكر أمر بُرَيدة أن يذهب باللواء إلى بيت أُسامة ولا يَحُلّه أبداً حتى يغزو بهم أُسامة.
قال بريدة:
فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أُسامة، ثم خرحت به إلى الشام معقوداً مع أُسامة، ثم رجعت به إلى بيت أُسامة، فما زال معقوداً في بيته حتى توفي.
إصرار أبي بكر رضي الله عنه على بَعْث أسامة إمتثالاً لأمره عليه السلام
فلما بلغ العربَ وفاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد منها عن الإِسلام؛
قال أبو بكر لأسامة:
(انفُذ في وجهك الذي وجَّهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بُرَيدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول. فشقَّ ذلك على كبار المهاجرين الأوَّلين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد رضي الله عنهم،
فقالوا:
يا خليفة رسول الله، إنّ العرب قد انتقضت عليك من كل جانب، وإنَّك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، إجعلهم عدّة لأهل الردّة ترمي بهم في نحورهم،
وأُخرى:
لا نأمن على أهل المدينة أن يُغار عليها وفيها الذراري والنساء، ولو تأخرت لغزو الروم حتى يضرب الإِسلام بجِرَانه، ويعود أهل الرّدة إلى ما خرجوا منه أو يُفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذٍ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا.
فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال:
هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟
قالوا:
لا، قد سمعتَ مقالتنا.
فقال:
والذي نفسي بيده، لو ظننتُ أنَّ السِباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البَعْث، ولا بد أن يؤوب منه، كيف ورسول الله
صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول:
أنفِذوا حيش أسامة ولكن خصلة أكلّم بها أسامة، أكلِّمه في عمر يقيم عندنا فإنّه لا غنى بنا عنه؛ والله ما أدري يفعل أسامة أم لا، والله إن أبى لا أكرهه. فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إِنفاذ بعث أسامة.
ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته وكلّمه في أن يترك عمر، ففعل، وجعل يقول له؛ أذنتَ ونفسك طيبة؟
فقال أسامة:
نعم.
قال:
فخرج،
وأمر مناديه ينادي:
عَزْمةٌ مني أن لا يتخلَّف عن أسامة مِنْ بَعْثه مَنْ كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنِّي لن أُوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشياً. وأرسل إلى النَّفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إِمارة أسامة، فغلَّظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلَّف إنسان واحد.
وخرج أبو بكر يُشيِّعُ أسامة والمسلمين، فلما ركب من الجُرف في أصحابه وهم ثلاثة آلاف رجل، وفيهم ألف فرس،
فسار أبو بكر إلى جنب أسامة ساعة ثم قال:
(أستودُع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاك، فانفُذ لأمر لأمر رسول الله، فإني ليست آمرك ولا أنهاك عنه، إنا أن مُنَفِّذ لأمْر أمَر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج سريعاً فوطىء بلاداً هادئة لم يرجعوا عن الإِسلام مثل جُهَينة وغيرها من قُضاعة. فلما نزل وادي القُرى قدَّم عيناً له من بني عُذْرة يدعى حُرَيثاً، فخرج على صدر رحلته أمامه فغزا حتى انتهى إلى أبنى، فنظر إلى ما هناك وارتاد الطريق، ثم رجع سريعاً حتى لقي أسامة على مسيرة ليلتين من أُبْنى، فأخبره أنَّ الناس غارُّون ولا جموع لهم، وأمره أن يسرع السير قبل أن تجتمع الجموع، وأن يشنّها غارة. كذا في مختصر
ابن عساكر. وقد ذكره في كنز العمال عن ابن عساكر من طريق الواقدي عن أسامة رضي الله عنه. وأشار إليه الحافظ في فتح الباري.
إستئذان أسامة للرجوع إلى المدينة وإنكار أبي بكر عليه وقصته مع عمر في هذا
وأخرج بن عساكر أيضاً عن الحسن بن أبي الحسن قال:
ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعْثاً قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمَّر عليهم أسامة بن زيد رضي الله عنه، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أسامة بالناس،
ثم قال لعمر:
إرجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه؛ يأذن لي فليرجع الناس، فإنَّ معي وجوههم وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَقَل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون.
وقالت الأنصار:
فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنَّا واطلب إليه أن يولِّي أمرنا رجلاً أقدم سِنّاً من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة، فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة.
فقال أبو بكر:
لو اختطفتني الكلاب والذئاب لم أردَّ قضاءً قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن الأنصار أمروني أن أبْلِغك أنهم يطلبون إليك أن تولِّي أمرهم رجلاً أقدم سنّاً من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالساً -
فأخذ بلحية عمرَ وقال:
ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب إستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزِعه؟ فخرج عمر إلى الناس؛
فقالوا له:
ما صنعت؟
فقال:
أمضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله.
[مشايعة أبي بكر جيش أسامة]
ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشجعهم وشيّعهم، وهو ماش وأسامة راكب، وعبدا لرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر رضي الله عنهم،
فقال له أسامة:
يا خليفة رسول الله، لتركبنّ أو لأنزلنّ،
فقال:
والله لا تنزل، ووالله لا أركب؛ وما عليّ أن أغبِّر قدميَّ ساعة في سبيل الله، فإنَّ للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة تكتب له، وسبع مائة درجة ترفع له، وتُمحى عنه سبع مائة خطيئة حتى إذا انتهى.
قال له:
إنْ رأيت أن تعينني بعمر بن الخطاب فافعل، فأذن له. كذا في مختصر ابن عساكر، وكنز العمال. وذكره في البداية عن سَيْف عن الحسن مختصراً.
إنكار أبي بكر على المهاجرين والأنصار إذ كلموه في إمساك جيش أسامة
وأخرج ابن عساكر أيضاً عن عروة قال:
لما فرغوا من البَيْعة واطمأن الناس،
قال أبو بكر لأسامة:
(إمضِ لوجهك الذي بعثك له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكلَّمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا:
أمسك أسامة وبَعْثه، فإنَّ نخشى أن تميل علينا العرب إِذا سمعوا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر - وكان أحزمَهم أمراً -: أنا أحبس جيشاً بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اجترأت على أمر عظيم والذي نفسي بيده، لأن تميل عليّ العرب أحبُّ إليَّ من أن أحبس جيشاً بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمضِ يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به، ثم أغزُ حيث أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة، فإنَّ الله سيكفي ما تركت، ولكن إنْ رأيتَ أن تأذن لعمر بن الخطاب فأستشيره وأستعين به، فإنه ذو رأي ومناصح للإِسلام، فافعل، ففعل أُسامة. ورجع عامة العرب عن دينهم، وعامة أهل المشرق وغَطَفان وبنو أسد، وعامة أشْجَع،
وتمسك طيّء بالإِسلام.
وقال عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أمسك أُسامة وجيشه، ووجّهْهم إلى من ارتد عن الإِسلام من غَطَفان وسائر العرب. فأبى أبو بكر أن يحبس أسامة وجيشه،
وقال:
إنكم قد علمتم أنه قد كان من عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم في المشورة، فيما لم يمضِ من نبيكم فيه سنة، ولم ينزل عليكم به كتاب، وقد أشرتم وسأشير عليكم فانظروا أرشدَ ذلك فأتمروا به، فإن الله لن يجمعكم على ضلالة؛ والذي نفسي بيده، ما أرى من أمر أفضل في نفسي من جهاد مَنْ منع منا عِقالاً كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقاد المسلمون لرأي أبي بكر، ورأوا أنَّه أفضل من رأيهم. فبعث أبو بكر حينئذٍ أسامة بن زيد لوجهه الذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصيب في الغزو مصيبة عظيمة، وسلَّمه الله وغنَّمه هو وجيشه وردّهم صالحين. وخرج أبو بكر رضي الله عنه في المهاجرين والأنصار حين خرج أسامة، وهربت الأعراب بذراريهم. فلما بلغ المسلمين هربُ الأعراب بذراريهم،
كلّموا أبا بكر وقالوا:
إرجع إلى المدينة وإلى الذراري والنساء، وأمِّرْ رجلاً من أصحابك على الجيش وعهد إليه بأمرك، فلم يزل المسلمون بأبي بكر حتى رجع، وأمّر خالد بن الوليد رضي الله عنه على الجيش،
فقال له:
إذا أسلموا وأعطَوا الصدقة؛ فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع؛ ورجع أبو بكر إلى المدينة. كذا في مختصر ابن عساكر. وذكره في الكنز.
وقد ذكره في البداية عن سيف بن عمر عن هشام بن عروة عن أبيه رضي الله عنهما،
قال:
لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه وقال: ليتمّ بعث
أسامة، وقد ارتدّت العرب إمّا عامة وإمّا خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيِّهم صلى الله عليه وسلم وقلّتهم وكثرة عدوّهم.
فقال له الناس:
إن هؤلاء جلّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، وليس ينبغي لك أن تفرِّق عنك جماعة المسلمين.
فقال:
(والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أنَّ السبع تخطَفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته)
قال ابن كثير: وقد رُوي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
ومن حديث القاسم وعَمْرة عن عائشة رضي الله عنها قالت:
لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة واشرأبَّ النفاق، والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم مِعزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مُسْبِعة، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخَطَلِها وعِنانها وفَصْلها. انتهى. وقد أخرجه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها - بنحوه. قال الهيثمي رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها ثقات.