صفحة 436الباب الخامس باب النصرة كيف كانت نُصْرة الدين القويم والصراط المستقيم أحبَّ إليهم من كل شيء؟ وكيف كانوا يتفخرون بذلك ما لم يفتخر أحد منهم بالعزَّة الدنيوية؟ وكيف صبروا مع ذلك عن لذّاتها؟ فكأنهم فعلوا كلَّ ذلك إبتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ، واتِّباعاً لما أمرهم رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه، وبارك، وسلَّم.📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

وأخرج البيهقي أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يُسيِّرهم إلى أذْرِعات الشام،

وجعل لكل ثلاثة منهم:

بعيراً وسِقاء.

وأخرج أيضاً عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النَّضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. كذا في التفسير لابن كثير.

وعند ابن سعد:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم محمد ابن مسلمة رضي الله عنه:

«أن أخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشراً»

. كذا في الفتح.

حديث بني قريظة

وأخرج الإِمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:

خرجت يوم الخندق أقفوا الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّة.

قالت:

فجلست إِلى الأرض، فمرَّ سعد وعليه دِرْعٌ من حديث قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد.

قالت:

وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم،

فمرّ وهو يرتجز ويقول:

لبّثْ قليلاً يدرك الهيجا جَمَلْ

ما يحسن الموت إذا حان الأجلْ

قالت:

فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا نفر من المسلمين، فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سَبْغة له - تعني المِغْفر -

فقال عمر:

ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو تَحوُّز، فما زال يلومني حتى تمنّيت أن الأرض فتحت ساعتئذٍ فدخلت فيها.

فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله:

فقال: يا عمر، ويحكم إنك قد أكثرتَ منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلا إلى الله عزّ وجلّ.

قالت:

ويرمي سعداً رجل من قريش يقال له ابن العَرِقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكْحَلة فقطعه؛

فدعا الله سعدٌ فقال:

اللَّهمَّ لا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة.

قالت:

وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية.

قالت:

فرقأ كَلْمة، وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً.

فلحق أبو سفيان ومن معه بتِهامة، ولحق عُيَينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صاصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة، وأمر بقبة من أدَم فضُربت على سعد في المسجد.

قالت:

فجاء جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لَنَقْعُ الغبار فقال: (أقد وضعتَ السلاح؟

لا، والله ما وضعت الملائكة السلاح، بعد،

أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم) قالت:

فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمَتَه، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا؛ فمرّ على بني غَنْم - وهم جيران المسجد حوله -

فقال:

«من مرّ بكم؟»

قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي - وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنّه ووجهه جبرائيل عليه السلام - فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة.

فلما اشتد حَصْرُهم واشتد البلاء قيل لهم:

أنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنَّه الذَّبْح.

قالوا:

ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أنزلوا على حكم سعد بن معاذ»

. فأُتِيَ به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حُمل عليه وحفَّ به قومه.

فقالوا:

يا أبَا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النِكاية ومن قد علمت.

قالت:

ولا يَرجِع إليهم شيئاً، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه،

فقال:

قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم.

قالت:

قال أبو سعيد رضي الله عنه: فلما طلع قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم

«قوموا إِلى سيِّدكم فأنزلوه»

.

قال عمر:

سيدنا الله.

قال:

«أنزِلوه»

، فأنزَلوه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أحكم فيهم»

.

قال سعد:

فإني أحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلَتُهم. وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله»

.

ثم دعا سعد فقال:

اللَّهمَّ إِن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها.

وإن

كنتَ قطعتَ الحرب بينه وبينهم فأقبضني إليك.

قالت:

فانفجر كَلْمه، وكان قد برىء حتى لا يُرى منه إلا مثلُ الخُرْص،

ورجع إلى قبّته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة:

فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر.

قالت:

فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حُجْرتي،

وكانوا كما قال الله:

{رُحَمَآء بَيْنَهُمْ}

(الفتح: ٢٩)

.

قال علقمة فقلت:

يا أُمَّهْ، فكيف كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟

قالت:

كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجِدَ، فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثير. كذا في البداية. وأخرجه ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها مثله.

وقال الهيثمي رواه أحمد وفيه:

محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، بقية رجاله ثقات. انتهى.

وقال الحافظ في الإِصابة:

حديث صحيح، صحّحه ابن حبان. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نعيم بطوله كما في الكنز. وقد زاد بعد هذا الحديث عدة أحاديث من طريق محمد بن عمرو، وهذا في فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه.

وعند ابن جرير في تهذيبه كما في كنز العمال عن عائشة رضي الله عنها:

أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى وبكى أصحابه حين توفي سعد بن معاذ رضي الله عنه.

قلت:

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد وَجْده فإنَّما هو آخذ بلحيته.

قالت عائشة رضي الله عنها:

وكنت أعرف بكاء أبي من بكاء عمر.

وعند الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت:

رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة سعد بن معاذ ودموعه تَحَادَر على لحيته.

قال الهيثمي:

وسهل أبو حريز ضعيف.

فخر الأنصار رضي الله عنهم بالعزة الدينيّة

أخرج أبو يَعلى، والبزار،

والطبراني:

- ورجالهم رجال الصحيح -

كما قال الهيثمي عن أنس رضي الله عنه قال:

افتخر الحيّان الأوس والخزرج.

فقالت الأوس:

منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من اهتز له العرش سعد بن معاذ، منا من حمته الدَّبْر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خُزيمة بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين.

وقالت الخزرجيون:

منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمعه غيرهم؛ زيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، معاذ بن جبل، وأبو زيد، رضوان الله عليهم أجمعين. وأخرجه أيضاً أبو عَوانة،

وابن عساكر وقال:

هذا حديث حسن صحيح كما في المنتخب.

صبر الأنصار عن اللّذات الدنيوية والأمتعة الفانية والرضاء بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم قصة الأنصار في فتح مكة

أخرج الإِمام أحمد عن عبد الله بن رَبَاح رضي الله عنه قال:

وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة ذلك في رمضان: فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام.

قال:

وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا.

قال هاشم:

يكثر أن يدعونا إلى رحله.

قال:

فقلت؛ ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رَحْلي؟

قال:

فأمرتُ بطعام يُصنع،

فلقيت أبا هريرة من العِشاء؛

قال:

قلت: يا أبا هريرة الدعوة عندي الليلة.

قال:

أسبقتني قال هاشم: قلت: نعم. فدعوتهم فهم عندي.

فقال أبو هريرة:

ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟

قال:

فذكر فتح مكة.

قال:

أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة.

قال:

فبعث الزبير على أحد المجنَّبَتَيْن، وبعث خالد على المجنَّبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته؛ وقد وبَّشَت قريش أوباشها.

قال:

قالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنّا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سَأَلَنا.

قال أبو هريرة:

فنظر،

فرآني فقال:

«يا أبا هريرة»

: فقلت: لبيك رسول الله،

فقال:

«إهتفْ لي بالأنصار، ولا يأتيني إِلا أنصاري»

. فهتفت بهم،

فجاؤوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أترون إِلى أوباش قريش وأتباعهم؟»

ثم قال بيديه إحداها على الأخرى:

«إحصدوهم حصداً حتى توافوني بالصَّفا.

قال:

فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجِّه إلينا منهم شيئاً.

قال:

فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم.

قال:

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أغلق بابه فهو آمن، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»

.

قال:

فغلَّق الناس أبوابهم.

قال:

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحَجَر فاستلمه، ثم طاف بالبيت.

قال:

وفي يده قوس آخذ بسِيَة القوس.

قال:

فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه.

قال:

فجعل

يطعن بها في عينه ويقول:

{وَقُلْ جَآء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}

(الإسراء: ٨١)

قال: ثم أتى الصَّفا فعلاه

حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه.

قال:

والأنصار تحت.

قال:

يقول بعضهم لبعض: أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته.

قال أبو هريرة:

وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرْفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي.

قال هاشم:

فلما قضى الوحيُ رفع رأسه،

ثم قال:

«يا معشر الأنصار، أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟»

قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله،

قال:

«فما إسمي إذاً، كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم»

.

قال:

فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنَّ بالله ورسوله.

قال:

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«إن الله ورسوله يصدِّقانِكم ويَعذِرانِكم»

. وقد رواه مسلم، والنسائي من حيث أبي هريرة. نحوه. كذا في البداية. وأخرجه ابن أبي شيبة مختصراً كما في الكنز.

قصة الأنصار في غزوة حنين وما قاله صلى الله عليه وسلم في صِفَتهم

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...