صفحة 406الباب الرابع باب الهجرة كيف تركت الصحابة أوطانهم العزيزة مع أن فراق الوطن شديد على النفوس، بحيث أنّهم لم يرجعوا إلى أوطانهم إلى الموت؟ وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الدنيا ومتاعها؟ وكيف قدَّموا الدِّين على الدنيا، فلم يبالوا بضياعها ولم يلتفتوا إلى فنائها؟ وكيف يفرُّون من بلاد إلى بلاد إحتفاظاً لدينهم من الفتنة، فكأنهم كانوا قد خُلقوا للآخر وكانوا من أبنائها فصارت الدنيا كأنها خُلقت لهم.📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما:

أن عبد الله بن جحش رضي الله عنه، وكان آخر من بقي ممّن هاجر، وكان قد كُفَّ بصره؛ فلما أجمع على الهجرة كرهت إمرأته ذلك بنت

(أبي سفيان بن حرب بن أُمية)

، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غيره، فهاجر بأهله وماله مكتتماً من قريش حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثب أبو سفيان بن حرب فباع داره بمكة، فمرّ بها بعد ذلك أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والعباس بن عبد لمطلب، وحويطب بن عبد العزى وفيها أُهُبٌ معْطُونة،

فذرفت عينا عتبة وتمثل ببيت من شعر:

وكلُّ دار وإن طالت سلامتها

يوماً ستدركها النكباء والحوب

قال أبو جهل - وأقبل على العباس -

فقال:

هذا ما أدخلتم علينا. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح قام أبو أحمد يَنشُد داره. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فقام إلى أبي أحمد فانتحاه، فسكت أبو أحمد عن نشيد داره.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

وكان أبو أحمد يقول - والنبي صلى الله عليه وسلم متكىء على يده يوم الفتح -:

حبذا مكة من وادي

بها أمشي بلا هادي

بها يكثر عُوَّادي

بها تركز أوتادي

قال الهيثمي:

وفيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف اهـ.

قال ابن إسحاق:

كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش رضي الله عنهما، احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي أحمد. وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعراً وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أُمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم رضي الله عنها فخلِّقت دار بني جحش هجرة، فمرّ بها عتبة فذكر قصتهم بمعنى ما تقدم كما في البداية. فالظاهر أنه سقط ذكر أبي أحمد في الحديث، أو عبد الله تصحيفاً. والصحيح عبد بن جحش فإنه كان ضرير البصر، لا أخو.

عبد الله بن جحش وقال:

أبو أحمد بن جحش هذا في هجرتهم كما ذكر ابن كثير في البداية عن ابن إسحاق:

ولمَّا رأتني أم أحمدَ غادياً

بذمّة من أخشى بغيب وأرهَبُ

تقول فإِمّا كنت لا بدَّ فاعلاً

فيمّم بنا البلدان ولتنأ يثربُ

(فقلت لها ما يثرب بمظِنّة)

وما يشأ الرحمن فالعبد يركب

إلى الله وجهي والرسول ومن يُقم

إلى الله يوماً وجهه لا يُخَيَّب

فكم قد تركنا من حميم مناصح

وناصحة تبكي بدمع وتندُب

ترى أنّ وِتْرا نأيُنا عن بلادنا

ونحن نرى أن الرغائب نَطْلُب

دعوت بني غَنْم لحِقن دمائهم

وللحق لما لاح للناس مَلْحَب

أجابوا بحمد الله لمّا دعاهم

إلى الحق داعٍ والنجاحِ فأوْعبوا

وكنا وأصحاباً لنا فارقوا الهدى

أعانوا علينا بالسلام وأجلبوا

كفَوجين أما منهما فموفَّق

على الحق مهدي وفوج معذّب

طَغَوا وتمنَوا كذبة وأزلهم

عن الحق إبليس فخابوا وخيّبوا

ورِعنا إلى قول النبي محمدٍ

فطاب ولاة الحق منا وطيبوا

نَمُتُّ بأرحام إليهم قريبةٍ

ولا قرب بالأرحام إذ لا تُقَرِّب

فأيّ ابن أخت بعدنا يأمننكم

وأية صِهْر بعد صهريَ ترقب

فأيّ ابن أخت بعدنا يأمننكم

وأية صِهْر بعد صهيَ ترقب

ستعلم يوماً أيُّنا إذ تزايلوا

وزُيِّل أمر الناس للحق أصوب

[هجرة ضمرة بن أبي العيص أو ابن العيص]

أخرج الفهريابي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال:

لما أنزلت:

{لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}

(النساء: ٩٥)

- الآية.

ثم ترخَّص عنها أناس من المساكين ممّن بمكة حتى نزلت:

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءتْ مَصِيراً}

(النساء: ٩٧)

- الآية.

فقالوا:

هذه مُرْجفة حتى نزلت:

{إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآء وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}

(النساء: ٩٨)

، فقال ضمرة بن العيص - أحد بني لَيْث وكان مُصاب البصر، وكن موسِراً. لئن كان ذهاب

بصري إني لأستطيع الحيلة، لي مال ورقيق، إحملوني، فحُمل ودَبَّ وهو مريض، فأدركه الموت وهو عند التَنْعيم؛ فدفن عند مسجد التَنْعيم.

فنزلت فيه خاصة:

{وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الاْرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}

(النساء: ١٠٠)

- الآية. وعلّقهُ ابن مَنْده لهُشَيم عن سالم. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن سالم الأفطس،

فقال:

عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُرَقي رضي الله عنه. كذا في الإِصابة

.

وأخرجه أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله: إحملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي:

{ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اورسوله ثم يدركه الموت حتى بلغ وكان اغفوراً رحيماً}

.

قال الهيثمي في المجمع:

ورجاله ثقات.

[هجرة واثلة بن الأسقع رضي الله عنه]

أخرج ابن جرير عن خالد بن الوليد عن واثلة بن الأسقَع رضي الله عنهما قال:

خرجت من أهلي وأريد الإِسلام، قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فصففت في آخر الصفوف فصلَّيت بصلاتهم. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة انتهى إِليَّ وأنا في آخر الصفوف.

فقال:

«ما حاجتك؟

قلت:

الإِسلام.

قال:

«هو خير لك»

.

قال:

«وتهاجر؟»

قلت: نعم.

قال:

«هجرةَ البادي أو هجرة الباتي؟»

قلت: أيتها خبر؟

قال:

«هجرة الباتي»

.

قال:

«وهجرة الباتي أن تثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته»

.

قال:

«وعليك الطاعة في عسرك ويسرحك ومنشطك ومكرهك وأَثرَة عليك»

.

قلت:

نعم. فقدَّم يده وقدمت يدي.

فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئاً قال:

«فيما استطعت»

.

فقلت:

فيما استطعت. فضرب على يدي. كذا في كنز العمال.

هجرة بني سليم

أخرج أبو نُعيم عن إِياس بن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:

أصاب أسَلَم وجعٌ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«يا أسلمُ أبدوا»

.

قالوا:

يا رسول الله نكره أن نرتد، ونرجع على أعقابنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أنتم باديتنا ونحن حاضرتكم، إذا دعوتمونا أجبناكم وإِذا دعوناكم أجبتمونا؛ أنتم المهاجرون حيث كنتم»

. كذا في كنز العمال.

هجرة جنادة بن أبي أمية رضي الله عنه

أخرج أبو نُعيم والحسن بن سفيان عن جنادة بن أبي أمية الأزدي رضي الله عنه قال:

هاجرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفنا في الهجرة،

فقال بعضنا:

لم تنقطع. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك.

فقال:

«لا تنقطع الهجرة، ما قوتل الكفار»

. كذا في الكنز.

وعند ابن مندهْ.

وابن عساكر عن عبد الله بن السعدي رضي الله عنه قال:

وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية وأنا من أحدثهم سناً، فأتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضوا حوائجهم وخلّفوني في رَحْل لهم.

فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:

يا رسول الله، أخبرني عن حاجتي.

فقال:

«وما حاجتك؟»

قلت: رجال يقولون: قد انقطعت الهجرة.

فقال:

«أنت خيرهم حاجة - أو حاجاتهم - لا تنقطع الهجرة، ما قوتل الكفار»

. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو حاتم، وابن حِبْان، والنّسائي.

وقال أبو زُرعة:

حديث صحيح متقن، رواه الأثْبات عنه كما في الإِصابة.

[ما قيل لصفوان بن أمية وغيره في الهجرة]

أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

قيل لصفوان بن أمية - وهو بأعلى مكة -: إنه لا دين لمن لم يهاجر.

فقال:

لا أصل إلى بيتي حتى أقدَم المدينة، فقدم المدينة فنزل على العباس بن عبد المطلب، ثم أتى

النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

«ما جاء بك يا أبا وَهْب؟»

قال: قيل: إنه لا دِين لمن لم يهاجر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم

«إرجع أبا وَهْب إلى أباطح مكة، فقرّوا على مسكنكم، فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية فإن استُنفرتم فانفروا»

. كذا في كنز العمال. وأخرجه البيهقي أيضاً بلفظه.

وعند عبد الرزاق عن طاووس قال:

قيل لصفوان بن أمية: هلك من نُفيَت له هجرة، فحلف أن لا يغسل رأسه حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته ثم انطلق، فصادف النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد،

فقال:

يا رسول الله،

إنه قيل لي:

هلك من لا هجرة له، فآليتُ بيمين لا أغسل رأسي حتى آتيك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنَّ صفوان سمع بالإِسلام فرضي به ديناً، إِن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإِذا

استُنفرتم فنفروا» كذا في الكنز.

وأخرج البغوي، وابن مَنْده،

وأبو نُعيم عن صالح بن بشير ابن فُدَيك:

أن جده فُديكاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنهم يزعمون أن من لم يهاجر هلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم

«يا فُدَيك، أقم الصلاة، وآتِ الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجراً»

. كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي.

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...