صفحة 370الباب الرابع باب الهجرة كيف تركت الصحابة أوطانهم العزيزة مع أن فراق الوطن شديد على النفوس، بحيث أنّهم لم يرجعوا إلى أوطانهم إلى الموت؟ وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الدنيا ومتاعها؟ وكيف قدَّموا الدِّين على الدنيا، فلم يبالوا بضياعها ولم يلتفتوا إلى فنائها؟ وكيف يفرُّون من بلاد إلى بلاد إحتفاظاً لدينهم من الفتنة، فكأنهم كانوا قد خُلقوا للآخر وكانوا من أبنائها فصارت الدنيا كأنها خُلقت لهم.📖قرآن كريم📜حديث شريف

الأحاديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم

كيف تركت الصحابة أوطانهم العزيزة مع أن فراق الوطن شديد على النفوس، بحيث أنّهم لم يرجعوا إلى أوطانهم إلى الموت؟ وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الدنيا ومتاعها؟ وكيف قدَّموا الدِّين على الدنيا، فلم يبالوا بضياعها ولم يلتفتوا إلى فنائها؟ وكيف يفرُّون من بلاد إلى بلاد إحتفاظاً لدينهم من الفتنة، فكأنهم كانوا قد خُلقوا للآخر وكانوا من أبنائها فصارت الدنيا كأنها خُلقت لهم.

باب الهجرة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه إجماع أمراء قريش على المكر به عليه السلام

أخرج الطبراني عن عروة رضي الله عنه - مرسلاً -

قال:

ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقيّة ذي الحِجَّة والمحرَّم وصَفَر، ثم إِنَّ مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم حين ظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج، وعلموا أن الله قد جعل له بالمدينة مأوى ومَنَعة، وبلغهم إسلام الأنصار ومن خرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أمرهم على أن يأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما أن يقتلوه، وإما أن يسجنوه - أو يسحبوه، شك عمرو بن خالد - وإما أن يخرجوه، وإما أن يوثقوه؛ فأخبره الله عزّ وجلّ بمكرهم.

فقال تعالى:

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}

(الأنفال: ٣٠)

. وبلغه ذلك اليوم الذي أتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أبي بكر رضي الله عنه أنَّهم مُبَيِّتوه إذا أمسى على فراشه.

خروجه عليه السلام من مكة مهاجراً مع أبي بكر واختباؤهما بغار ثَوْر

وخرج من تحت الليل هو وأبو بكر قِبَل الغار بثَوْر - وهو الغار الذي ذكره الله عزّ وجلّ في القرآن - وعَمَد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرقد على فراشه يواري عنه العيون. وبات المشركون من قريش يختلفون ويأتمرون إن

نَجْثِم على صاحب الفراش فنوثقه، فكان ذلك حديثهم حتى أصبحوا. فإذا عليٌّ رضي الله عنه يقوم عن الفراش، فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه خرج. فركبوا في كل وجه يطلبونه، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويجعلون لهم الجُعْل العظيم؛ وأتَوا على ثَوْر الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه حتى طلعوا فوقه. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم أصواتهم، فأشفق أبو بكر عند ذلك وأقبل على الهمِّ والخوف، فعند ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم

«لا تحزن إن الله معنا»

ودعا فنزلت عليه سكينة من عزّ وجلّ:

{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

(التوبة: ٤٠)

.

وكانت لأبي بكر مِنْحة تروح عليه وعلى أهله بمكة، فأرسل أبو بكر عامر بن فُهيرة مولى أبي بكر أميناً مؤتمناً حسن الإِسلام،

فاستأجر رجلاً من بني عبد بن عدي يقال له:

«ابن الأيقط»

، كن حليفاً لقريش في بني سَهْم من بني العاص بن وائل، وذلك يومئذٍ العدويُّ مشرك وهو هادي بالطريق. فخبا

بأظهرنا تلك الليالي، كان يأتيهما عبد الله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر يكون في مكة، ويُريح عليهما عامر بن فُهيرة الغنم في كل ليلة، فيحلبان ويذبحان، ثم يسرح بكرة فيصبح في رُعيان الناس ولا يُفطن له، حتى إذا هَدَت عنهم الأصوات، وأتاهما أن قد سُكت عنهما جاءا صاحبهما ببعيريهما وقد مكثا في الغار يومين وليلتين؛ ثم انطلقا وانطلقا معهما بعامر بن فُهيرة يحدوهما ويخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقُبه على راحلته ليس معه أحد من الناس غير عامر بن فهيرة وغير أخي بني عديّ يهديهم الطريق.

قال الهيثمي:

وفيه: ابن لهيعة، وفيه كلام؛ وحديثه حسن. اهـ.

[ما أعده أبو بكر رضي الله عنه لسفر الهجرة]

وأخرج ابن إسحاق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

كان لا يخطىء رسول الله أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار: إما بُكرة، وإِما عشيَّة، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرَي قومِه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة في ساعة كان لا

يأتي فيها.

قالت:

فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إِلا لأمرٍ حدث.

قالت:

فلما دخل تأخَّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبي بكر أحد إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«أخرجْ عني من عندك»

.

قال:

يا رسول الله، إنما هُما إبنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟

قال:

«إنَّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة»

.

قالت:

فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله قال:

«الصحبة»

فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي،

ثم قال:

يا نبي الله، إِنَّ هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجَرا عبد الله بن أرقط رجلاً من بني الدُئِل بن بكر وكانت أمه من بني سَهْم بن عمرو - وكان مشركاً - يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلَتيْهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. وأخرج البغوي بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها شيئاً منه،

وفي حديثه:

قال أبو بكر: الصحابةَ قال:

«الصحابةَ»

.

قال أبو بكر:

إن عندي راحلتين قد علفتهما من ستة أشهر لهذا، فخذ إِحداهما،

فقال:

بل أشتريها، فاشتراها منه فخرجا فكانا في الغار. فذكر الحديث كما في كنز العمال.

قصص ذات صلة

صفحة 4

«كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى

أخرج البخاري عن أَبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أَبى، قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أَبى» وأخرج البخاري أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلاً...

صفحة 6

ربيعة الجَرَشي بمعناه

وأخرج الدارمي عن ربيعة الجَرَشي رضي الله عنه بمعناه، كما في وأَخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّما مثلي مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أَتى قوماً فقال: يا قوم، إِنِّي رأَيت الجيش بعيني، وإِني أَنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ،...

صفحة 8

«إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر ا - واهتدوا بِهَدْي عمَّار

وأخرج الترمذي عن حُذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «إنِّي لا أدري قَدْر بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذْين من بعدي - وأَشار إِلى أَبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بِهَدْي عمَّار، وما حدَّثكم ابن مسعود فصدِّقوه» وأخرج أيضاً عن بلال بن الحارث المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى...